مقالات

الصَّمتُ نزيفٌ لا نسيان بقلم :مستشار محمود السنكري

الصَّمتُ نزيفٌ لا نسيان
بقلم :مستشار محمود السنكري

الصمتُ ليس هدوءًا كما يتوهّم العابرون ولا انطواءً كما يُسيء الفهم بعضُهم بل هو ضجيجٌ داخليٌّ خافت، تمردٌ ساكن واحتراقٌ بارد، هو امتناعٌ عن البوح حين تفقد اللغةُ معناها، وانسحابٌ أنيق من جدلٍ لا طائل منه ومن محاولاتِ شرحٍ تذبحُ الإحساسَ أكثر مما تُبرّر.

حين يصمتُ الإنسان فهو لا يتنازل عن الرد بل يترفّع عن العبث ، عن السجال الذي لا يُنصف وعن وهمِ أن يُفهَم في عالمٍ أعماه الضجيجُ عن جوهر المشاعر ، الصمتُ ليس نسيانًا كما يُقال بل هو ذروةُ الوعي، ذروةُ الشعور، ذروةُ الألم الذي بلغ من الكثافة حدَّ الخرس.

هو توقّفُ القلب على عتبة الكلام، حين تصبح الحروفُ ضيقةً على اتساع الوجع وتُصبح العبارة خيانةً لتفاصيل ما نشعر.

الصمتُ موقفٌ لا يقفه الضعفاء، بل أولئك الذين ذاقوا مرارة التبرير وخيبات الإفصاح، فاختاروا الصمت لا هروبًا بل كبرياءً داخليًّا وصبرًا نقيًّا لا يُرى بالعين.. بل يُحسّ في الأعماق.

جرّب أن تحبّ بصمت أن تشتاق بصمت وأن تنكسر بصمت وأن تمضي في فَقدِ من تحب دون أن تُظهر الحداد، هناك فقط.. ستفهم أن الصمت ليس حيادًا.. بل مقاومة.

الصمتُ ليس فراغًا بل ساحة معركة محتدمة، كلُّ شعورٍ يقاتل ليبقى وكلُّ ذكرى تستجدي البقاء وكلُّ وجعٍ يُصّر على أن يُسمع دون أن يُقال.

هو حوارٌ داخليٌّ لا ينتهي تشتبك فيه الحنينات مع الخيبات والأمل مع الرماد وحين تُثقل الروح بالكتمان يُصبح الصمتُ ضرورةً لا ترفًا، ملاذًا لا هروبًا، تخوننا اللغة فنتوارى عنها ويُصبح الكلام كاشفًا أكثر مما يَجب فنلوذ بالصمت.. لأنه أصدق وفي لحظةٍ ما يتوقّف الإنسان عن شرح أوجاعه لا لأنه نسيها بل لأنه اكتشف أن لا أحد سيفهمها كما عاشها وأن الألم الحقيقيّ لا يُروى.. بل يُحتمل.

الصمت ليس غيابًا.. بل حضورٌ آخر، ليس ضعفًا.. بل قوةٌ بلا ضجيج، ليس سهوًا.. بل ذاكرةٌ دامعة يكتب بها القلب على جدران الروح ما عجزت الأقلام عن حمله.

فلا تغترّوا بمن يصمتون فليس كلُّ ساكتٍ قد نسي ولا كلُّ هادئٍ قد شُفي فبعض القلوب تنزف دون صوت وتُحبّ دون إعلان وتقاوم دون ضجيج، وتودّع الحياة بابتسامةٍ لا تقول شيئًا.. لأنها قالت كلَّ شيء في صمت…

زر الذهاب إلى الأعلى