هناك نفوس لا يزيدها الإحسان إلا جحودًا ولا يوقظ فيها المعروف ضميرًا بل تتعامل مع كرمك وكأنه ضعف ومع تسامحك وكأنه عجز ومع وقوفك بجانبها وكأنك مدين لها لا صاحب فضل عليها.
بعض البشر لا ينقصهم المعروف بل ينقصهم الأصل…
تمد يدك لانتشالهم من عثراتهم فيعضّون اليد التي أنقذتهم وتستر عيوبهم فيتصنعون عيوبك وتحفظ أسرارهم فيتخذون أسرارك سلاحًا لطعنك.
تمنحهم من قلبك ما لا يستحقون فيخرجون من حياتك وهم يتوهمون أنهم انتصروا عليك!
يا له من زمن صار فيه النذل يتباهى بخيانته وناكر الجميل يتحدث عن الوفاء والوضيع يتقمص دور الضحية بعدما أساء إلى من أحسن إليه.
لا تخلط بين طيبة القلب وسذاجة العقل فالإحسان فضيلة أما تكراره مع من يتعمد إهانتك فاستنزاف لكرامتك..
ليس كل من أحسنت إليه يستحق فرصة أخرى وليس كل من سامحته يستحق العودة وليس كل من سترته يستحق أن تبقيه قريبًا منك.
هناك أشخاص لا يفهمون لغة المروءة ولا يقدّرون قيمة الرجال ولا يرون في العطاء إلا فرصة جديدة للاستغلال.
وهنا تأتي الحقيقة التي يكرهها كثيرون: أنت لست مسؤولًا عن إصلاح نفوس اختارت الفساد ولا عن تربية ضمائر ماتت فيها معاني الوفاء.
فالعطر لا ينفع مع العفن والذهب لا يرفع قيمة معدن رخيص والكلمات الجميلة لا تصنع إنسانًا بلا أخلاق…
ولمن اعتاد أن يأخذ ثم ينكر وأن يبتسم في وجهك ويطعنك خلف ظهرك وأن يتغذى على معروفك ثم يتنكر لك ساعة حاجتك نقول: لا تغتر بصمت المحسن ولا تفسّر تسامحه ضعفًا ولا تظن أن تجاوزاتك ستظل بلا حساب.
فتأتي لحظة ينتهي فيها العطاء ويسقط فيها القناع ويُغلق فيها باب كان مفتوحًا بدافع النبل لا بدافع الحاجة.
وحين ينسحب الأصيل لا يكون قد خسر نذلًا بل يكون قد استعاد نفسه من علاقة لا تليق به.
لا تندم على خير قدمته لكن تعلّم لمن تقدمه، لا تكره المعروف بسبب ناكر للجميل بل امنح الخير لأهله واجعل كرامتك خطًا أحمر لا يتجاوزه أحد باسم العِشرة أو الصداقة أو العشم.
أحسن ما شئت لكن لا تسمح لأحد أن يحوّل إحسانك إلى إهانة وكرمك إلى استغلال وطيبتك إلى باب مفتوح لخياناته.
فبعض النفوس لا يصلحها العطاء وبعض القلوب لا يوقظها الوفاء وبعض البشر لا يستحقون منك سوى المسافة التي تحفظ كرامتك وتغلق الطريق أمام أذاهم.
وأخيراً…
لا تُحسن إلى نذل مرتين ولا تمنح ناكر الجميل فرصة ثالثة فمن باع أصله لن يشتريه إحسانك ومن اعتاد الخيانة لن يردعه عطاؤك.
اقطع الطريق وأغلق الباب واسحب يدك بلا ندم فبعض القاذورات لا يطهّرها العطر بل يجب إبعادها عن حياتك إلى الأبد.