مقالات

محمود السنكري يكتب: نافق تُكافأ.. وطبّل ترتقِ.. أمّا المبادئ فلها الله 

مستشار محمود السنكري 

في زمنٍ اختلّت فيه الموازين أصبحنا نرى شعارًا غير معلن يحكم بعض بيئات العمل والعلاقات: تعلّم النفاق وأتقن التطبيل وامدح مَن بيده القرار تفتح لك الأبواب وتصل إلى المناصب حتى لو لم تكن الأجدر بها.

يا له من زمنٍ مؤلم حين يصبح الصادق متهمًا وصاحب المبدأ عبئًا وصاحب الكفاءة منافسًا غير مرغوب فيه بينما يتحوّل المنافق إلى نجم المجالس وسيّد المناسبات وصاحب الحظوة لدى أصحاب النفوذ.

لم يعد السؤال دائمًا: ماذا أنجزت؟ وماذا تستطيع أن تقدّم؟ 

بل أصبح أحيانًا: مَن تُرضي؟ ولمن تُصفّق؟ وكم تستطيع أن تتنازل عن قناعاتك مقابل منصب أو مصلحة؟

النفاق.. عملة رائجة في سوق المصالح.. 

المنافق لا يحتاج إلى إنجازٍ حقيقي بقدر ما يحتاج إلى لسانٍ يجيد المديح ووجهٍ يتلوّن وفق اتجاه الريح وضميرٍ يستطيع إسكاته كلّما تعارضت الحقيقة مع المصلحة.

إن أخطأ المسؤول برّروا خطأه وإن فشل سوّقوا فشله باعتباره نجاحًا مؤجّلًا وإن اتخذ قرارًا خاطئًا أحاطوه بعبارات الإشادة حتى تبدو الأخطاء إنجازات ويصبح الاعتراض جريمةً في نظر المنتفعين.

وهكذا يتحوّل التطبيل من مجرّد سلوكٍ فردي إلى ثقافةٍ تُكافئ المزيّفين وتمنحهم فرصًا لا يحصل عليها أصحاب الكفاءة وتدفع الصادقين إلى الهامش لمجرّد أنهم يرفضون المشاركة في مسرحية المجاملات.

والأخطر أن بعض المنافقين لا يكتفون بتلميع أصحاب النفوذ بل يهاجمون كلّ مَن يرفض السير في القطيع ويتّهمونه بالحقد أو الغيرة وكأن قول الحقيقة إساءة والاعتراض المسؤول خيانة والكرامة عائقٌ أمام النجاح.

لماذا يتقدّم المنافق ويتراجع صاحب الكفاءة؟ 

لأن بعض أصحاب القرار لا يريدون مَن يكشف أخطاءهم بل مَن يبرّرها ولا يبحثون عمّن يناقشهم بالحجة بل عمّن يوافقهم مهما كانت النتائج.

صاحب الكفاءة يقول: هذا القرار يحتاج إلى مراجعة ويقدّم بديلًا أفضل، أمّا المنافق فيصف القرار بالحكمة حتى لو كان يعلم أنه يقود إلى الفشل.

الأول يسعى إلى إصلاح العمل والثاني يسعى إلى ضمان مكانه. الأول يخدم المؤسسة والثاني يخدم مصلحته الشخصية.

ومع مرور الوقت قد تتراجع معايير الاختيار فتُمنح المناصب لمن يجيدون العلاقات والتملّق لا لمن يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على الإنجاز،

وعندها لا تخسر الكفاءات وحدها بل تخسر المؤسسة بأكملها لأنها تستبدل معايير النجاح الحقيقي بمعايير ترضي أصحاب النفوذ.

ولنكن منصفين: ليس كلّ ثناءٍ نفاقًا ولا كلّ اختلافٍ شجاعة ولا كلّ صمتٍ جبنًا ، إنما النفاق أن تقول ما لا تؤمن به طلبًا للمنفعة وأن تمدح ما تعرف فساده وأن تغيّر موقفك كلّما تغيّرت موازين القوة.

أخطر المنافقين.. مَن يرتدي ثوب المبادئ

بعض المنافقين لا يظهرون بوجوههم الحقيقية؛ يتحدّثون عن النزاهة ويرفعون شعارات العدالة ثم يتخلّون عنها عندما تتعارض مع مصالحهم.

إنهم لا يبيعون مبادئهم دفعةً واحدة بل يتنازلون عنها بالتدريج؛ كلمةً اليوم وموقفًا غدًا وحقًّا للآخرين بعد غد حتى يصبح التنازل عادةً وتتحوّل الانتهازية إلى أسلوب حياة.

وهؤلاء لا يفسدون أنفسهم فحسب بل يرسّخون لدى الآخرين فكرةً خطيرة مفادها أن النجاح لا يتحقق إلا بالتملّق وأن الصدق سذاجة وأن الكرامة رفاهية لا يقدر عليها الطامحون.

لكن الحقيقة أن الوصول إلى المنصب لا يعني استحقاقه وأن امتلاك النفوذ لا يمنح صاحبه قيمةً أخلاقية وأن النجاح الذي يقوم على خداع الآخرين يظلّ نجاحًا هشًّا مهما بدا براقًا.

إلى أصحاب القرار.. لا تجعلوا التصفيق معيارًا للولاء

إن أخطر مَن يحيط بصاحب المسؤولية ليس مَن ينتقده بل مَن يمنعه من رؤية أخطائه، فالناصح الصادق قد يزعجه بكلمة لكنه يحميه من قرارٍ خاطئ أمّا المنافق فيمنحه الصورة التي يحبّ أن يراها حتى لو كانت بعيدةً عن الحقيقة.

إذا أردتم مؤسساتٍ قوية فكافئوا الإنجاز لا التملّق وارفعوا الأكفاء لا المصفّقين وافتحوا الأبواب للنقد المسؤول واجعلوا النزاهة والكفاءة أساسًا للترقّي.

فالمؤسسة التي تخاف الحقيقة وتكافئ النفاق قد تبدو ناجحةً أمام الكاميرات لكنها تحمل في داخلها أسباب فشلها.

ومَن يصفّق لك اليوم طمعًا في مصلحة قد يصفّق لغيرك غدًا إذا انتقلت إليه القوة. أمّا صاحب المبدأ فقد يختلف معك في الرأي لكنه لا يبيع الحقيقة لإرضائك.

أيّ ربحٍ هذا الذي ثمنه خسارة النفس؟

نعم قد يربح المنافق منصبًا وقد يحصد المطبّل تصفيقًا وقد يتقدّم المتسلّق على مَن هم أكفأ منه. لكن ماذا ربح الإنسان إذا خسر صدقه؟ وماذا كسب إذا أصبح مضطرًّا إلى الكذب كي يحافظ على مكانه؟

إن الكارثة الحقيقية ليست في وجود المنافقين وحدهم بل في أن يتحوّل النفاق إلى ثقافة والتطبيل إلى معيار للترقّي والنزاهة إلى تهمة والكفاءة إلى عبء على مَن اعتادوا سماع المديح.

وحين يحدث ذلك لا تتعجّبوا إذا تصدّر المشهد مَن لا يستحقّونه وتراجع أصحاب الخبرة وغادر المخلصون مواقع التأثير؛ فالمجتمعات والمؤسسات لا تنهض بمن يجيدون التصفيق بل بمن يمتلكون الشجاعة على الإنجاز والمراجعة وقول الحقيقة.

إذا أصبح التطبيل شرطًا للنجاح فالمشكلة ليست في مَن يرفض التطبيل بل في منظومةٍ لا تعرف كيف تكافئ إلا المصفّقين.

كونوا أصحاب مواقف لا أصحاب وجوهٍ متعدّدة وأصحاب إنجاز لا أبواقًا للمصالح. 

لا تجعلوا رضا الآخرين ثمنًا لاحتقار أنفسكم ولا تسمحوا لمكاسب عابرة أن تسرق منكم ما لا يُعوَّض.

فالمناصب تتغيّر والمصالح تنتهي وأصحاب النفوذ يرحلون أمّا المواقف فتبقى شاهدًا على أصحابها.

قد يكون النفاق طريقًا مختصرًا إلى بعض المكاسب لكنّ الكرامة ليست سلعةً تُباع والضمير ليس ثمنًا للترقّي ومَن يخسر نفسه كي يربح مكانًا لم يربح شيئًا يستحقّ الذكر.

محمود السنكري يكتب: نافق تُكافأ.. وطبّل ترتقِ.. أمّا المبادئ فلها الله 

زر الذهاب إلى الأعلى