هناك لحظات لا تحتاج فيها الدولة إلى خطب طويلة كي تثبت قوتها ولا إلى استعراض نفوذها كي تؤكد هيبتها؛ يكفي أن تقف مؤسساتها أمام الجميع بالميزان نفسه وأن تقول بوضوح لا يحتمل التأويل، هنا القانون وفوق القانون لا أحد،
تلك هي اللحظة التي تُختبر فيها حقيقة الدولة لا في قدرتها على فرض العقوبة على الضعيف ولا في سرعة ملاحقة من لا يملك نفوذًا وإنما في قدرتها على تطبيق القانون عندما يكون الطرف الآخر صاحب منصب أو سلطة أو نفوذ.
فالقانون الذي يخشى اسمًا أو يتردد أمام منصب أو يتغير تطبيقه بحسب مكانة صاحبه يفقد جوهره قبل أن يفقد هيبته. أما القانون الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع فإنه يصبح الحصن الحقيقي للمجتمع والضمانة التي تجعل المواطن يشعر بأن كرامته وحقوقه ليست رهينة بمقدار ما يملكه الطرف الآخر من قوة.
المنصب مسؤولية وليس حصانة..
من الخطأ أن يُنظر إلى المناصب العامة باعتبارها امتيازًا يمنح صاحبه مكانة فوق المساءلة. فالمنصب في حقيقته تكليف ومسؤولية وأمانة وكلما اتسعت سلطة الإنسان اتسعت معها دائرة مسؤوليته. الوزير ليس فوق القانون لأنه وزير والمسؤول الكبير لا يملك حصانة مطلقة لمجرد أنه يشغل موقعًا رفيعًا كما أن صاحب النفوذ أو الشهرة لا ينبغي أن يكون له ميزان قانوني مختلف عن المواطن العادي.
لكن في المقابل لا يجوز أن تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى إدانة مسبقة ولا أن يصبح المنصب وحده دليلًا على الخطأ فالمبدأ الصحيح هو أن الجميع يخضعون للقانون وأن الوقائع والأدلة والإجراءات القضائية هي التي تحدد المسؤولية، وهنا ..تكمن قيمة العدالة الحقيقية ” لا حماية لمن أخطأ بسبب منصبه ولا ظلم لمن اتُّهم بسبب منصبه”.
عندما يصبح الإسم أقوى من النص..
أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس غياب القانون وإنما أن يشعر الناس بأن القانون موجود لكنه لا يُطبق بالطريقة نفسها على الجميع فالناس لا تقيس العدالة بما تقوله النصوص فقط وإنما بما تراه أمامها من وقائع وممارسات وعندما يشاهد المواطن أن المخالفة نفسها تُعامل بمنتهى الصرامة مع إنسان بسيط بينما تصبح الإجراءات أكثر بطئًا أو مرونة عندما يكون الطرف الآخر صاحب نفوذ فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالمخالفة وحدها وإنما يمتد إلى جوهر العلاقة بين المواطن والدولة.
هل القانون واحد للجميع؟
هذا السؤال قد يبدو بسيطًا لكنه من أخطر الأسئلة التي يمكن أن تواجهها أي دولة.. لأن الثقة في المؤسسات تبدأ عندما يطمئن المواطن إلى أن اسمه ومكانته لا يحددان مقدار ما يحصل عليه من عدالة فالقانون يجب أن يقرأ الواقعة قبل أن يقرأ اسم صاحبها وأن يبحث عن الحقيقة قبل أن ينظر إلى منصبه.
لا وزير فوق العدالة..
حين يخطئ مسؤول كبير فإن المسألة لا تتعلق بشخصه فقط وإنما تتعلق بصورة المؤسسة التي يمثلها ولهذا فإن مساءلة المسؤول متى توافرت أسبابها القانونية وثبتت المخالفة وفق الإجراءات المقررة ليست إهانة للدولة وليست انتقاصًا من هيبة المنصب وإنما قد تكون في جوهرها حماية لهيبة الدولة نفسها.
الدولة لا تضعف عندما يحاسب القانون مسؤولًا..الدولة تضعف عندما يشعر الناس أن المسؤول لا يمكن أن يحاسبه القانون. هناك فرق هائل بين الأمرين ففي الحالة الأولى تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص أما في الحالة الثانية فيصبح الأشخاص أقوى من المؤسسات وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لا غفير تحت الظلم..
إذا كان القانون لا ينبغي أن يحمي المخطئ لأنه وزير فإنه كذلك لا ينبغي أن يظلم المواطن لأنه غفير أو موظف بسيط أو إنسان لا يملك نفوذًا فالعدالة ليست طريقًا باتجاه واحد، لا يجوز أن تكون شديدة القسوة مع الضعفاء ثم تبحث عن الأعذار للأقوياء كما لا يجوز أن يتحول ضعف الإنسان الاجتماعي أو المادي إلى سبب في انتقاص حقوقه.
إن قيمة القانون تظهر عندما يحمي من لا يستطيع حماية نفسه ويمنح كل متهم حقه في الدفاع ويمنع التشهير والإدانة قبل صدور الأحكام ويضع الحقيقة والأدلة فوق الانطباعات والشائعات فكما لا ينبغي أن يكون هناك وزير فوق العدالة لا ينبغي أيضًا أن يكون هناك غفير تحت العدالة بمعنى أن يُحرم من حقوقه أو يُعامل بغير ما يقرره القانون.. فالجميع أمام ميزان واحد.
العدالة ليست تشفّيًا..
ومن الضروري هنا أن نفرق بين العدالة وبين الرغبة في الانتقام فبعض الخطابات العامة قد تنزلق أحيانًا إلى التعامل مع الاتهام وكأنه حكم نهائي وإلى تحويل المحاكمات إلى ساحات للتشهير وكأن المطلوب ليس معرفة الحقيقة وإنما إسقاط شخص أو الانتقام منه وهذا خطر آخر على العدالة.
فالعدالة الحقيقية لا تحتاج إلى شماتة ولا إلى ضجيج ولا إلى حملات تشهير ..إنها تحتاج إلى قانون وأدلة وإجراءات سليمة وقضاء مختص وحكم يصدر وفق ما يثبت أمامه ومن حق المجتمع أن يطالب بالمحاسبة لكن ليس من حق أحد أن يصدر أحكامًا قضائية من مواقع التواصل أو المنابر الإعلامية، المحاسبة شيء والإدانة شيء آخر والخلط بينهما ظلم للمتهم وإساءة إلى العدالة.
هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف..
هناك من يظن أن قوة الدولة تعني أن يكون المواطن خائفًا من مؤسساتها بينما الحقيقة أن الدولة الأقوى هي التي تجعل المواطن مطمئنًا إلى عدالة مؤسساتها، هيبة الدولة لا تأتي من أن يكون المسؤول فوق المساءلة وإنما من أن يعرف الجميع أن المؤسسات قادرة على تطبيق القانون دون خوف أو محاباة.
المواطن عندما يرى القانون يطبق على الجميع يزداد احترامه له. وعندما يرى المسؤول نفسه خاضعًا للقواعد ذاتها التي يخضع لها المواطن يشعر أن الدولة ملك للجميع وليست امتيازًا لفئة دون أخرى أما إذا ترسخت فكرة أن النفوذ يستطيع تجاوز القانون فإن الخطر لا يقف عند حدود مخالفة فردية بل يتحول إلى أزمة ثقة في منظومة العدالة بأكملها.
السلطة التي لا تُحاسب تُفسد القانون..
كل سلطة تحتاج إلى رقابة وكل مسؤول يحتاج إلى مساءلة وكل مؤسسة تحتاج إلى قواعد تضبط عملها ليس لأن المسؤول سيئ بالضرورة وإنما لأن طبيعة السلطة نفسها تجعل الرقابة ضرورة فالإنسان عندما يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات والتأثير في حياة الآخرين يصبح وجود الضوابط أمرًا لا غنى عنه.
ومن هنا جاءت دولة المؤسسات فالمؤسسات لا تقوم على الثقة في الأشخاص وحدهم وإنما على القواعد والإجراءات والرقابة والمساءلة ولهذا فإن المسؤول الشريف لا يخشى القانون بل يتمسك به؛ لأنه يعرف أن القانون يحميه كما يحمي غيره أما الذي يرى القانون عائقًا أمام سلطته فالمشكلة ليست في القانون وإنما في فهمه لمعنى السلطة.
القانون لا يعرف الألقاب..
في نهاية المطاف تسقط كل الألقاب عندما تبدأ المحاسبة القانونية قد يكون الإنسان وزيرًا اليوم وغدًا يعود مواطنًا عاديًا وقد يكون مديرًا لمؤسسة ثم تنتهي مهمته قد يكون صاحب نفوذ واسع ثم يتغير الزمن والظروف أما القانون فيبقى.
ولهذا فإن الدولة التي تريد أن تبقى قوية لا ينبغي أن تربط هيبتها بأشخاص وإنما بمؤسسات فإن الأشخاص يتغيرون والمناصب تتبدل لكن القواعد يجب أن تبقى ومن هنا فإن أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى المجتمع هي أن هناك أشخاصًا فوق القانون لأن هذه الرسالة لا ترفع شأن المسؤول وإنما تهدم ثقة الناس في الدولة.
ميزان العدالة لا يعرف الطبقات..
العدالة الحقيقية لا تسأل: هل هذا الرجل وزير أم موظف؟ ولا تسأل: هل هو غني أم فقير؟ ولا تسأل: هل هو مشهور أم مجهول؟ ولا تسأل: كم عدد متابعيه؟ إنها تسأل: ماذا حدث؟ ما الدليل؟ ما النص القانوني المنطبق؟ وما الذي انتهت إليه الجهات القضائية المختصة؟
هذا هو الطريق الصحيح وكلما ابتعدنا عن هذه الأسئلة اقتربنا من الفوضى.
وأخيراً..
إن دولة القانون لا تُقاس بعدد القوانين الموجودة في كتبها وإنما بمدى قدرة مؤسساتها على تطبيق تلك القوانين بعدالة وتجرد والقانون الذي يضعف أمام المنصب لا يحمي الدولة والقانون الذي يقسو على الضعيف لأنه ضعيف لا يحقق العدالة.
المطلوب ليس قانونًا يخاف منه الوزير ولا قانونًا يخشاه الغفير وإنما قانون يحترمه الجميع لأنه عادل فالوزير يجب أن يعرف أن منصبه مسؤولية لا حصانة والمواطن البسيط يجب أن يعرف أن ضعفه لا يسقط حقه.
وعندما يقف الاثنان أمام القانون يجب ألا يرى القانون إلا الإنسان وفعله ولا أن يزن أحدًا بميزان مختلف عن الآخر فإذا أخطأ الكبير فليحاسبه القانون وإذا اتُّهم الصغير فليحمه القانون من الظلم وإذا كان هناك خلاف فليحسمه القانون وإذا كانت هناك جريمة فلتثبت بالأدلة ويصدر الحكم من القضاء المختص.
تلك ليست رفاهية قانونية وإنما هي أساس الدولة التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها فحين يسقط أصحاب المناصب أمام القانون لا تسقط هيبة الدولة… بل تسقط أوهام أن هناك من هو أكبر من العدالة.
ويبقى المبدأ الذي يجب ألا يتغير بتغير الأشخاص والمناصب: