في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة، لم تعد العلاقة بين شركات التوريد من القطاع الخاص وشركات القطاع العام مجرد علاقة تعاقدية تقوم على التوريد والاستلام والسداد، وإنما أصبحت في حاجة إلى مفهوم أوسع يقوم على الشراكة وإدارة الأزمات والتفاهم المتبادل. فالمورد الخاص اليوم يواجه تحديات متزايدة، تبدأ من ارتفاع أسعار الخامات والنقل والتشغيل، ولا تنتهي عند الأعباء التأمينية والعمالة والتغيرات المستمرة في السوق. وفي الوقت نفسه، يجد نفسه أمام منظومة من الإجراءات والبروتوكولات التي قد تجعل التواصل المباشر مع رئيس شركة القطاع العام أو الإدارة العليا أمراً بالغ الصعوبة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما تغلق قنوات التواصل، تبدأ الثقة في الانهيار. هل أصبح البروتوكول أهم من حل المشكلة؟ من الطبيعي أن تكون هناك إجراءات إدارية وبروتوكولات تحكم العمل بين المؤسسات، ولكن عندما يتحول البروتوكول إلى حاجز يمنع المورد من عرض مشكلة حقيقية على الإدارة العليا، فإن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى تعطيل الحلول بدلاً من تنظيمها. المورد لا يسعى بالضرورة إلى تجاوز الإدارات المختصة أو القفز على التسلسل الإداري، لكنه في بعض الأزمات يحتاج إلى أن تصل المشكلة إلى صاحب القرار، خصوصاً عندما تكون المشكلة مرتبطة بارتفاع مفاجئ في الأسعار، أو تغير في القوانين والقرارات، أو ظروف اقتصادية لم تكن موجودة وقت إبرام التعاقد. فهل من المنطقي أن يتحمل طرف واحد وحده نتائج التغيرات الاقتصادية بينما يستمر الطرف الآخر في تطبيق بنود التعاقد وكأن السوق لم يتغير؟ إدارة الأزمات يجب أن تكون مشتركة نحن في حاجة إلى إعادة النظر في مفهوم العلاقة بين الطرفين. لماذا لا تكون هناك آلية واضحة لإدارة الأزمات والطوارئ تجمع بين شركات القطاع العام والموردين؟ ولماذا لا تكون هناك لجان مشتركة لدراسة السوق عند حدوث تغيرات استثنائية في الأسعار أو تكاليف التشغيل؟ فالسوق لا يعرف طرفاً حكومياً وطرفاً خاصاً عندما ترتفع الأسعار. ارتفاع سعر الخامة يؤثر على المورد، وارتفاع تكلفة النقل والطاقة والعمالة يؤثر على تكلفة المنتج، وفي النهاية قد تصبح الأسعار التي كانت مناسبة وقت التعاقد غير واقعية بعد فترة قصيرة. لذلك، فإن القرارات التي تتعلق بالأزمات الاستثنائية يجب أن تكون مبنية على دراسة واقعية للسوق ومصلحة الطرفين، وليس على رؤية طرف واحد فقط. المورد الخاص ليس مجرد منفذ للتعاقد هناك تصور يحتاج إلى التغيير، وهو أن المورد الخاص مجرد جهة تقوم بتنفيذ أمر توريد ثم تنتهي مهمتها. المورد في الحقيقة لديه استثمارات ورأس مال وعمالة والتزامات ضريبية وتأمينية وتكاليف تشغيلية، ويتحمل مخاطر السوق والتذبذب في الأسعار، ويضع أمواله في دورة اقتصادية تعتمد على استمرار التعامل مع العملاء. وفي هذه الفترة تحديداً، يواجه المورد الخاص ضغوطاً كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، وإعادة هيكلة بعض الالتزامات التأمينية، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والخدمات، بالإضافة إلى الالتزامات المتعلقة بالعمالة. وعندما لا يجد المورد مساحة كافية للحوار أو آلية عادلة للتعامل مع هذه المتغيرات، يبدأ في طرح السؤال الأصعب: هل الاستمرار في هذا النشاط يستحق حجم المخاطر التي أتحملها؟ أزمة الثقة أخطر من أزمة الأسعار ارتفاع الأسعار يمكن التعامل معه من خلال دراسة وتفاوض وآليات واضحة، أما فقدان الثقة فهو أكثر خطورة. عندما يشعر المورد أن مشكلاته لا تجد من يسمعها، وأن القرارات تصدر من جانب واحد دون دراسة كافية لآثارها على الطرف الآخر، يبدأ تدريجياً في فقدان الثقة في منظومة العمل نفسها. وهنا قد يصل الأمر إلى أن يفضل صاحب الشركة تقليل نشاطه أو الانسحاب تدريجياً من السوق، وسحب جزء من رأس ماله ووضعه في أدوات استثمارية ذات عائد ثابت، بدلاً من المخاطرة برأس المال في نشاط يحتاج إلى متابعة يومية وعمالة والتزامات ومشكلات لا تنتهي. وهذا القرار، وإن كان فردياً، إلا أن تكراره من عدد كبير من الموردين قد تكون له آثار اقتصادية أكبر بكثير؛ لأن خروج الموردين الجادين من السوق يعني تراجع المنافسة، وانخفاض عدد الشركات القادرة على تحمل التوريدات الكبيرة، وارتفاع مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الموردين. نحتاج إلى طاولة واحدة وليس طرفين متخاصمين الحل ليس في تحميل القطاع العام المسؤولية كاملة، كما أنه ليس في مطالبة المورد الخاص بتحمل جميع الأعباء. الحل في أن يجلس الطرفان على طاولة واحدة. نحتاج إلى قنوات اتصال حقيقية، ولجان مشتركة، وآلية واضحة للتعامل مع الظروف الاستثنائية، ودراسة دورية لمؤشرات الأسعار والتكاليف، وسرعة في اتخاذ القرار عندما تتغير ظروف السوق بصورة جوهرية. كما نحتاج إلى أن تكون هناك مساحة للاستماع إلى المورد، ليس باعتباره طرفاً يحاول التهرب من التزاماته، وإنما باعتباره شريكاً اقتصادياً له مصالح والتزامات ومخاطر يجب أخذها في الاعتبار. الشراكة الحقيقية تعني أن ينجح الطرفان معاً لا يمكن لشركة القطاع العام أن تحقق أهدافها بكفاءة إذا كان المورد الذي تعتمد عليه يعاني من خسائر مستمرة أو يفكر في الانسحاب من السوق. وفي المقابل، لا يمكن للمورد الخاص أن يستمر إذا كانت علاقته بالقطاع العام تقوم فقط على تنفيذ الالتزام من جانبه، دون وجود آلية تسمح بمراجعة الظروف الاستثنائية التي طرأت بعد التعاقد. المطلوب ليس إعفاء أحد من مسؤولياته، وإنما إعادة بناء الثقة. الثقة تبدأ عندما يشعر المورد أن صوته مسموع، وأن هناك من يدرس مشكلته بموضوعية. وتبدأ عندما تشعر شركة القطاع العام أن المورد شريك حقيقي وليس مجرد منفذ. وتستمر عندما تكون القرارات مبنية على بيانات ودراسة للسوق ومصلحة مشتركة. في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يتحمل الأزمة؟ بل يجب أن يكون السؤال: كيف نعبر الأزمة معاً، ونحافظ على استمرارية الشركات، ونضمن استمرار التوريد، ونحمي المال والاستثمار وفرص العمل؟ فالاقتصاد القوي لا يقوم على طرف ينتصر وطرف يخسر، وإنما على شراكة يستطيع فيها الطرفان الاستمرار والنمو وتحمل الأزمات بثقة وعدالة ووضوح.