في السنوات الأخيرة لم يعد التنمر مجرد سلوك فردي مرفوض، بل أصبح ظاهرة تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية بصورة تدعو للقلق. فبين مواقع التواصل الاجتماعي، والشوارع، وأماكن العمل، وحتى داخل بعض الأسر، أصبحت السخرية من الآخرين والتنمر عليهم مادة سهلة للضحك وجذب الانتباه، وكأن إيذاء مشاعر الناس أصبح أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده.
المؤلم في الأمر أن الضحية لا تكون دائمًا ضعيفة الشخصية كما يعتقد البعض، بل قد يكون إنسانًا ناجحًا أو مجتهدًا أو صاحب موهبة، لكنه يجد نفسه فجأة هدفًا للتقليل من شأنه أو السخرية من شكله أو ظروفه أو أفكاره. ومع تكرار هذه الممارسات تتولد آثار نفسية عميقة قد لا يراها المجتمع، لكنها تترك جروحًا أشد قسوة من أي أذى مادي.
الأخطر أن بعض الناس باتوا يبررون التنمر تحت مسميات مختلفة، مثل المزاح أو حرية الرأي أو النقد، بينما هناك فرق كبير بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الإهانة التي تهدف إلى التقليل من قيمة الآخرين.
إن المجتمعات المتحضرة لا تُقاس بعدد الأبراج أو المشروعات فقط، بل تُقاس أيضًا بمدى احترام الإنسان فيها. فالاحترام ليس رفاهية، بل أساس للاستقرار النفسي والاجتماعي. وعندما يصبح التجريح والسخرية أسلوبًا شائعًا، فإننا نُنتج أجيالًا أكثر غضبًا وأقل ثقة بأنفسها.
لذلك فإن مواجهة التنمر مسؤولية مشتركة تبدأ من ، وتمر بالمدرسة، وتصل إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فكل كلمة قد تهدم إنسانًا أو تبني إنسانًا، وكل موقف صامت أمام الإساءة قد يمنح المتنمر فرصة جديدة للاستمرار.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد مجتمعًا يتنافس أفراده في تحطيم بعضهم البعض، أم مجتمعًا يتنافسون فيه على دعم بعضهم وصناعة النجاح؟