تقرير

بين المحاسبة والدعم.. ماذا كشفت أزمة مستشفى قنا العام؟

كتب :عماد عبدالحميد سالم 

أعادت أزمة مستشفى قنا العام، وما تبعها من قرار محافظ قنا بإقالة مدير المستشفى على خلفية ما رصده من مظاهر إهمال خلال جولته المفاجئة، فتح ملف المنظومة الصحية في المحافظات، والتساؤل: هل تكفي إقالة مسؤول لعلاج مشكلات تراكمت على مدار سنوات؟

ما ظهر داخل المستشفى من تكدس شديد للمرضى، وازدحام في أقسام الاستقبال والعيادات، وجلوس عدد من المواطنين على الأرض انتظارًا لتلقي الخدمة، فضلًا عن الملاحظات المتعلقة بالنظافة العامة، كلها مشاهد لا تليق بمستشفى عام يخدم آلاف المواطنين يوميًا، وتعكس معاناة حقيقية تستوجب التدخل السريع.

لكن في المقابل، فإن العدالة تقتضي النظر إلى الصورة كاملة. فالكثير من المستشفيات الحكومية تعاني من نقص واضح في الإمكانيات والتجهيزات الطبية، وعجز في المستلزمات الأساسية، إلى جانب نقص القوى البشرية من الأطباء وأطقم التمريض، خاصة في التخصصات الدقيقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمة الصحية، مهما كانت كفاءة الإدارة.

إن تحميل مدير المستشفى وحده مسؤولية كل أوجه القصور قد لا يكون كافيًا، إذا كانت المشكلة تمتد إلى نقص التمويل، وقلة الموارد، وغياب الدعم اللازم لتطوير البنية التحتية وتوفير الأجهزة والمستلزمات والكوادر البشرية. فالإدارة الناجحة تحتاج إلى أدوات تمكنها من العمل، وليس فقط إلى محاسبة عند ظهور الأزمات.

ولا خلاف على أن الرقابة الميدانية للمحافظين والمسؤولين أمر ضروري ومطلوب، وأن المواطن يستحق خدمة صحية تليق به، لكن أسلوب المحاسبة يجب أن يجمع بين الحزم والاحترافية واحترام المؤسسات والعاملين بها. فالمحاسبة الرشيدة لا تعني فقط توقيع العقوبات، وإنما تتضمن أيضًا تشخيص أسباب الخلل، ووضع حلول عملية تضمن عدم تكراره.

ومن ناحية أخرى، جاء موقف نقابة الأطباء الداعم للطبيب ومدير المستشفى المُقال ليؤكد أهمية توفير ضمانات عادلة لأي مسؤول قبل إصدار الأحكام النهائية، مع التأكيد على أن الدفاع عن كرامة الأطباء لا يتعارض مع ضرورة محاسبة أي مقصر إذا ثبت تقصيره وفق تحقيقات موضوعية وشفافة.

إن تطوير المنظومة الصحية لن يتحقق بإقالة مسؤول هنا أو هناك، وإنما من خلال خطة متكاملة تبدأ بتوفير التجهيزات والمستلزمات الطبية، وسد العجز في الأطباء والتمريض، وتحسين بيئة العمل، وتطبيق معايير الجودة، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين المسؤولين ومقدمي الخدمة الصحية.

ويبقى المواطن هو الطرف الأهم في هذه المعادلة؛ فهو لا ينتظر خلافًا بين مسؤول ونقابة، ولا يشغله من يتحمل المسؤولية بقدر ما يهمه أن يجد سريرًا عند الحاجة، وطبيبًا متخصصًا، ودواءً متوفرًا، ومستشفى نظيفًا يقدم خدمة إنسانية تحفظ كرامته. وهذه هي الغاية التي يجب أن تتوحد من أجلها جميع مؤسسات الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى