افتتاح

الأوكتاجون… رسائل دولة في مشهد استراتيجي متكامل

الأوكتاجون… رسائل دولة في مشهد استراتيجي متكامل

كتبت: د/ أمنية حسن عبد اللطيف

لم يكن افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون” مجرد تدشين لمقر جديد، بل كان حدثًا وطنيًا حمل في تفاصيله رسائل سياسية واستراتيجية وإعلامية متعددة، تزامنت مع الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، لتقدم رؤية متكاملة لمفهوم الدولة المصرية الحديثة، القائمة على المؤسسات، والقدرة، والتخطيط، والاستعداد للمستقبل.

جاءت مراسم الافتتاح بعناصرها كافة، من الاستقبال الرسمي والعروض العسكرية والجوية، إلى الأفلام الوثائقية والموسيقى العسكرية والأوركسترا، لتؤكد أن الدولة لا تخاطب مواطنيها فقط، وإنما توجه رسالة إلى الإقليم والعالم مفادها أن مصر تمتلك منظومة قيادة وسيطرة حديثة، وبنية تكنولوجية متطورة، وقدرات مؤسسية قادرة على إدارة مختلف التحديات بكفاءة وسرعة.الأوكتاجون... رسائل دولة في مشهد استراتيجي متكامل

وفي كلمته خلال الاحتفال، أوضح الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القيادة الاستراتيجية للدولة تمثل نقلة نوعية في منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات، بما تضمه من أنظمة اتصالات مؤمنة، وقدرات متقدمة لجمع المعلومات وتحليلها، وربط مختلف مستويات اتخاذ القرار، بما يضمن أعلى درجات التكامل وسرعة الاستجابة في إدارة الأزمات والظروف الاستثنائية.

وأكد الرئيس أن هذا الصرح لا يقتصر دوره على إدارة العمليات العسكرية، وإنما يمثل ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي المصري، انطلاقًا من رؤية شاملة تواكب طبيعة التحديات التي يشهدها العالم، مشددًا على أن حماية الوطن مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن حدود مصر وسيادتها تمثل خطًا أحمر تحميه إرادة شعبها وكفاءة قواتها المسلحة، مع استمرار التزام الدولة بخيار السلام القائم على القوة والقدرة.

واكتسب الحدث بعدًا رمزيًا خاصًا بتزامنه مع ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، التي وصفها الرئيس بأنها محطة فارقة في تاريخ الدولة المصرية، استعاد خلالها الشعب هويته الوطنية، ورفض محاولات اختطاف الدولة من قبل قوى التطرف والإرهاب، مؤكدًا أن تلك الثورة لم تكن فقط ثورة ضد الإرهاب، وإنما كانت أيضًا بداية لمسيرة بناء الجمهورية الجديدة.

واستعرض الرئيس حجم التحديات التي واجهتها الدولة منذ عام 2011، مرورًا بالحرب على الإرهاب، ثم جائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية العالمية، والحروب الإقليمية، وما ترتب عليها من خسائر اقتصادية وضغوط كبيرة على الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن الدولة اختارت المضي في التنمية بالتوازي مع معركة مكافحة الإرهاب، دون تأجيل أو تراجع.

وفي واحدة من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب، كشف الرئيس عن الأسباب الاستراتيجية لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، موضحًا أن ما شهدته القاهرة خلال أحداث عامي 2012 و2013 من محاصرة لمؤسسات الدولة، ومنها المحكمة الدستورية العليا ووزارة الدفاع، فرض ضرورة إنشاء مركز جديد لإدارة الدولة يضمن استمرار عمل مؤسساتها في مختلف الظروف، ويحول دون تكرار مثل تلك المشاهد مستقبلاً.

وأكد الرئيس أن استدعاء أحداث تلك المرحلة لا يأتي بهدف استحضار الماضي، وإنما لاستخلاص الدروس، وترسيخ الوعي الوطني، مشيرًا إلى أن الدولة دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة تلك الأحداث، سواء اقتصاديًا أو أمنيًا، وهو ما يستوجب الحفاظ على الاستقرار، وتعزيز الوعي، ومنع تكرار الأخطاء.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، جدد الرئيس التأكيد على أن السلام العادل يظل الخيار الاستراتيجي لمصر، مشددًا على أن إنهاء القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية يمثلان المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، كما أشاد بالجهود الدولية الرامية إلى وقف التصعيد في المنطقة.

ولم تخلُ الكلمة من رسائل اقتصادية وتنموية واضحة، حيث أعلن الرئيس توجيه الحكومة بإعداد برنامج اقتصادي وطني يبدأ عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، مع الإسراع في توسيع دور القطاع الخاص، ومواصلة برنامج تخارج الدولة من الأنشطة التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها، إلى جانب اتخاذ إجراءات لخفض الأعباء المعيشية، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتطوير التعليم، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وتنشيط الحياة الحزبية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية.

كما حملت الرسائل الإعلامية أهمية خاصة، إذ وجه الرئيس بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، وتعزيز حق المواطن في الحصول على المعلومات الدقيقة، مع عقد اجتماع سنوي برعاية رئيس الجمهورية، يضم وزارة الدولة للإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ووضع رؤى لتطويره بصورة مستدامة.

وفي ختام الاحتفال، لم تكن مشاهد الأطفال، والعروض الفنية، ورسم الطائرات المسيرة لعبارة “تحيا شعوب العالم المحبة للسلام”، مجرد فقرات احتفالية، بل جاءت لتؤكد أن القوة في المفهوم المصري ترتبط بالسلام، وأن بناء الإنسان يظل الهدف النهائي لكل مشروعات الدولة.

لقد قدم افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة أكثر من صورة لمنشأة حديثة؛ فقد قدم رؤية لدولة تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها، وتعزيز أمنها القومي، والاستفادة من دروس الماضي، والانطلاق نحو المستقبل برؤية تجمع بين القوة، والتنمية، والوعي، والسلام. وهي رسالة تؤكد أن الدول لا تُبنى فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما بما تملكه من إرادة، وقدرة على التخطيط، وإدارة التحديات، والحفاظ على تماسك مؤسساتها في مختلف الظروف. FB IMG 1783336694692

زر الذهاب إلى الأعلى