مقالات

محمود السنكري يكتب: المكياج النفسي

حين يتجمل الإنسان من الخارج ويختبئ الخراب في الداخل

محمود السنكري يكتب: المكياج النفسي.. حين يتجمل الإنسان من الخارج ويختبئ الخراب في الداخل

ليس كل تجمل يُرى بالعين فهناك نوع أخطر من مساحيق الوجوه والعطور والثياب الأنيقة، نوع يصنع داخل العقل ويُرتدى فوق الروح يُعرف بـ«المكياج النفسي»

ذلك القناع الخفي الذي يستخدمه الإنسان ليُخفي حقيقته ويقدّم نسخةً مصطنعة عن نفسه،

نسخةً قابلة للتسويق الاجتماعي أكثر من كونها صادقة، فالإنسان لم يكن يخشى الكراهية بقدر ما كان يخشى أن يُكتشف ولذلك اخترع الأقنعة ثم تحوّلت مع الوقت إلى سلوكٍ يومي يمارسه دون وعي.

أصبح كثيرون يضعون فوق شخصياتهم طبقات من اللطف المؤقت والمثالية الزائفة والتهذيب المصطنع، تماماً كما تُستخدم مساحيق التجميل لإخفاء العيوب، لكن الفرق أن مكياج الوجه يذوب بالماء أما المكياج النفسي فلا يذوب إلا بالمواقف.

كم من أشخاص دخلوا حياتنا بملامح الملائكة وكلمات الحكماء حتى ظننا أنهم أرواح نقية ثم جاءت الأيام لتزيل الطلاء تدريجياً فنكتشف أن وراء الابتسامة حسابات باردة وخلف الرقة نوايا خفية،

فالزمن وحده يمتلك القدرة على فضح الوجوه الحقيقية مهما أتقن أصحابها التمثيل.

الأخطر أن هذا المكياج لا يُستخدم دائماً لخداع الآخرين فقط بل أحياناً يخدع الإنسان به نفسه، فبعض الناس يمثلون دور الأقوياء حتى ينسوا هشاشتهم ويرتدون قناع الحكمة لإخفاء الفراغ أو قناع المرح للهروب من الحزن أو قناع التدين لستر الطمع والجشع ،

وهكذا تتحول الحياة إلى حفلة تنكرية كبيرة يتبادل فيها الناس الأقنعة أكثر مما يتبادلون الحقيقة.

لقد ساهم الكثيرون في صناعة هذا المرض النفسي والاحتفاء به، فالعالم لم يعد يكافئ الصادق دائماً بل يكافئ من يجيد الظهور بمظهر الصادق وأصبحت القيمة أحياناً في الصورة لا الجوهر وفي القدرة على الإقناع لا في صدق المشاعر،

حتى العلاقات الإنسانية دخلتها عقلية التسويق فصار بعض الناس يبتسمون لأنهم يحتاجونك لا لأنهم يحبونك ويجاملونك لأنهم يريدون صورتك لا شخصك.

المكياج النفسي يجعل الإنسان بارعاً في إخفاء نواياه الحقيقية ، فالحاسد قد يتحدث بلهجة الناصح والانتهازي قد يرتدي هيئة الصديق الوفي والجبان قد يختبئ خلف ضجيج البطولة حتى تختلط الحقيقة بالتمثيل ويصبح فهم البشر مهمة مرهقة تحتاج سنوات من الخبرة والحذر.

ولذلك فإن الصدمة الكبرى في الحياة ليست في اكتشاف الشر بل في اكتشاف أن الخير الذي رأيناه لم يكن حقيقياً، فهناك من يتقنون التصفيق لك وهم يتمنون سقوطك ومن يبالغون في الاحترام بينما لا يحملون لك في داخلهم أي تقدير حقيقي.

إنهم خبراء التجميل النفسي.. يخفون القبح الداخلي خلف كلمات راقية وشعارات أخلاقية براقة.

ومع ذلك فإن السبب الأعمق وراء هذه الأقنعة هو الخوف، فالصدق يحتاج شجاعة نادرة والاعتراف بالضعف أو الغيرة أو الهشاشة أصعب بكثير من ارتداء قناع القوة والكمال لهذا أصبحت كثير من العلاقات علاقات بين أقنعة لا بين أرواح حقيقية يخشى كل طرف فيها أن يسقط قناعه أولا.

لكن الزمن ذلك القاضي الصامت لا يُخدع بسهولة.. ففي لحظات الغضب أو الطمع أو الخسارة يتشقق القناع فجأة ويظهر الوجه الحقيقي الذي كان مختبئاً خلف طبقات التجميل المعنوي.

لذلك لا تراقب الإنسان حين يجاملك بل حين يختلف معك ولا تحكم عليه وقت حاجته إليك بل حين تنتهي مصلحته عندك، فهناك فقط تسقط الأقنعة وتظهر الحقيقة كاملة.

ورغم كل هذا لا يعني أن العالم خالٍ من الصدق والنقاء ، فما زالت هناك أرواح بسيطة لا تعرف التمثيل وقلوب لا تحتاج إلى مكياج نفسي لتبدو جميلة، أشخاص يشبهون المطر صادقون ثابتون لا يغيّرون وجوههم بتغيّر الظروف،

قد يكونون نادرين لكن وجودهم وحده يمنح الحياة معنى وسط هذا الزحام من الوجوه المطلية.

وفي النهاية…

قد ينجح المكياج النفسي في خداع الناس لبعض الوقت لكنه لا يستطيع خداع الزمن.

فالحقيقة تشبه النار مهما اختبأت تحت الرماد لا بد أن تجد لحظة لتشتعل.

وحين تسقط الأقنعة أخيراً لا يبقى للإنسان إلا وجهه الحقيقي… ذلك الوجه الذي حاول الهروب منه طوال عمره..

محمود السنكري يكتب: المكياج النفسي

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى