مقالات

من يخن قومه فهو لغيرهم أخون..بقلم مستشار محمود السنكري

من يخن قومه فهو لغيرهم أخون

بقلم مستشار محمود السنكري

هذه المقولة لأبي الطيب المتنبي وكأنها خلاصة تأمل طويل في طبيعة النفس حين تنفصل عن جذورها وتفقد أصولها..

الخيانة ليست زلّة عابرة… بل سقوط مدوٍّ يكشف معدن صاحبه بلا رتوش، 

هي لحظة ينزع فيها الإنسان قناع الانتماء ويظهر على حقيقته: هشّ متقلب بلا أصل ولا موقف.

من يبيع قومه اليوم لن يشتريه أحد غدًا لأن الخيانة لا تُقاس بالفعل فقط بل تُقرأ في العين وفي النبرة وفي ذلك الفراغ الأخلاقي الذي يفضح صاحبه مهما حاول التجمّل.

الخائن لا يخذل غيره… بل يفضح نفسه أولًا لأنه بخيانته يعلن أنه لا يُؤتمن لا على سر ولا على عهد ولا حتى على كلمة، 

فيظن أنه أذكى حين يبدّل مواقفه لكنه في الحقيقة يحفر قبر سمعته بيديه ويكتب نهايته بحبر الخيانة.

لا أحد يحترم خائنًا… حتى من يستخدمه.

ولا أحد يثق فيمن خان… حتى من كافأه.

لأن القاعدة بسيطة وقاسية:

من خان مرة… خان ألف مرة والفرق فقط في الفرصة.

الخيانة ليست دهاء… بل عجز.

ليست قوة… بل انكسار داخلي مغلف بالوقاحة.

هي هروب رخيص من اختبار لم يحتمل صاحبه ثِقَله فاختار الطريق الأسهل: أن يطعن بدل أن يصمد.

أما الوفاء… فليس شعارًا يُقال بل ثمن يُدفع.

هو ثبات حين يتقلب الآخرون وهو موقف حين يهرب الجميع وهو كرامة لا تُساوم مهما اشتد الضغط.

وهنا تتجلى الحقيقة التي لا تُجمّل:

الخائن لا يخسر الناس فقط… بل يخسر حقه في الاحترام إلى الأبد.

إما أن تكون رجل موقف يُعتمد عليه…

أو اسمًا يُذكر مقرونًا بالخيانة ثم يُمحى كأنه لم يكن.

تذكّر جيدًا…

أن الخيانة قد تفتح لك بابًا سريعًا لكنها تُغلق في وجهك كل الأبواب بعده.

وأن من يعتاد بيع المواقف لن يجد يومًا من يشتريه بثقة… بل بثمن مؤقت ثم يُلقى جانبًا كشيء مستهلك.

الرجال تُعرف عند الشدائد لا عند المكاسب…

والثابتون على مبادئهم هم وحدهم من يكتبون أسماءهم في الذاكرة أما المتقلبون فتذروهم الرياح بلا أثر.

لا تراهن على خيانة أحد… لأنها نار قد تدفئك لحظة لكنها ستحرقك حتمًا.

ولا تغترّ بمن خان لأجلك… لأنه سيخونك كما خان غيرك فهذه طبيعته لا استثناء فيها.

العِبرة واضحة والحكمة أبلغ من أي جدل:

من حفظ العهد… حفظه الله بين الناس.

ومن باع ضميره… اشترى عارًا لا يُمحى.

وفي النهاية…

يبقى الوفاء شرفًا لا يُمنح إلا للكبار،

وتبقى الخيانة وصمة لا يمحوها الزمن.من يخن قومه فهو لغيرهم أخون..بقلم مستشار محمود السنكري

زر الذهاب إلى الأعلى