بين “سيدة الإسكندرية” وقانون الأسرة: هل تغيرت معادلة الأمان داخل البيت المصري؟
بقلم امل سلام
رحيل ما عُرفت إعلاميًا بـ“سيدة الإسكندرية” أو “فتاة سموحة” لم يكن مجرد حادثة فردية عابرة، بل كان صدمة مجتمعية كشفت عن خلل عميق في مفاهيمنا عن الأمان داخل الأسرة، وحدود السلطة، ودور كل من الرجل والمرأة في العلاقة الزوجية. هذه الواقعة أعادت طرح سؤال مؤلم: هل ما زلنا نعيش على تعريف قديم للرجل باعتباره “البطل” الذي يحمي ويوفر ويحتوي، أم أن الواقع تجاوز هذه الصورة؟
لطالما نشأنا على فكرة أن الرجل هو السند المطلق، الحامي من الأخطار، والمسؤول الأول عن الإنفاق واتخاذ القرار. لكن مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد هذا النموذج قادرًا وحده على تفسير أو تنظيم العلاقة داخل الأسرة. فالمرأة أصبحت شريكًا أساسيًا في تحمل الأعباء، ليس فقط داخل البيت ولكن خارجه أيضًا، بينما يواجه الرجل ضغوطًا متزايدة قد تجعله غير قادر على أداء هذا الدور التقليدي بنفس الصورة القديمة.
المشكلة الحقيقية ليست في انهيار صورة “الرجل البطل”، بل في تمسك البعض بها بشكل جامد، دون الاعتراف بأن العلاقات الإنسانية بطبيعتها تتطور. فالأمان اليوم لم يعد قائمًا على القوة أو السيطرة، بل على الاحترام المتبادل، والوعي، ووجود إطار قانوني عادل يحمي الجميع.
وهنا يظهر الدور الحاسم لقانون الأسرة المصري، الذي يقف في قلب هذا الجدل. فالقانون الحالي، رغم محاولاته لتنظيم العلاقة بين الزوجين، يواجه انتقادات واسعة من مختلف الأطراف. فهناك من يرى أنه لا يوفر حماية كافية للمرأة من العنف الأسري، خاصة في ظل صعوبة الإثبات أو بطء الإجراءات. وفي المقابل، يرى بعض الرجال أن القانون يحمّلهم أعباء مالية كبيرة دون ضمانات كافية لحقوقهم في رؤية الأبناء أو المشاركة الفعلية في تربيتهم.
الأزمة الأكبر تكمن في أن قانون الأسرة لا يعكس بشكل كامل التحولات التي حدثت في المجتمع. فالعلاقة الزوجية لم تعد قائمة على “طرف يعول وطرف يتلقى”، بل أصبحت شراكة معقدة تحتاج إلى توازن دقيق في الحقوق والواجبات. كما أن طول أمد التقاضي في قضايا الأسرة يزيد من معاناة جميع الأطراف، خاصة الأطفال الذين يدفعون الثمن النفسي الأكبر.
حادثة “سيدة الإسكندرية” سلطت الضوء أيضًا على نقطة خطيرة: أن غياب الردع القانوني الفعّال أو ضعف تطبيقه قد يفتح الباب لتكرار المآسي. فالقوانين وحدها لا تكفي إذا لم تُفعّل بشكل حقيقي وسريع، وإذا لم يصاحبها وعي مجتمعي يرفض العنف بشكل قاطع، أيًا كان مصدره.
إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة لم تعد رفاهية، بل ضرورة. فالرجل ليس مطالبًا بأن يكون بطلاً خارقًا، بل شريكًا مسؤولًا. والمرأة ليست مطالبة بالتحمل الصامت، بل بالمشاركة الواعية. والأسرة الناجحة لم تعد تُبنى على الهيمنة، بل على التفاهم.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها نهاية لفكرة “الرجل الحامي”، لكنها بالتأكيد نهاية لصورتها القديمة الجامدة. نحن أمام لحظة فارقة تستدعي إعادة صياغة المفاهيم، وتحديث القوانين، والأهم من ذلك، بناء ثقافة أسرية جديدة تقوم على العدالة والاحترام المتبادل.
لأن الأمان الحقيقي داخل أي بيت، لا يصنعه فرد واحد… بل يصنعه نظام عادل، ووعي مشترك، وحدود واضحة تحمي الجميع.