سوسيولوجيا الإقصاء..كيف تقتل المزاجية والألقاب الجوفاء روح الفن؟
كتبت : رشا عبدالوهاب
في ضوء ما شهدته الساحة التشكيلية مؤخراً من ممارسات تنظيمية وإدارية داخل بعض المحافل، يصبح من الضروري التوقف عند عدد من الإشكاليات التي تمسّ جوهر الفعل الثقافي، وتستدعي قراءة نقدية جادّة تتجاوز الأشخاص لتفكيك بنية السلوك الإداري وآلياته. إن مايدفعنا لهذه المكاشفة ،هو الدفاع عن كرامة الفنانين المبدعين وتعريف العمل الثقافي بمعناه الحقيقي.
التناقض الإداري وغياب المصداقية
إن أخطر ما كشفته الوقائع الأخيرة هو حالة “التخبط في اتخاذ القرار”؛ حيث قام المنظمون ومسؤولو المؤسسة المنظمة بأنفسهم باختيار واعتماد أعمال فنية بعينها، وتحديداً في مجالات الخط العربي والأشغال اليدوية، وذلك قبل أيام من انطلاق ما يسمى بمعرض الفن التشكيلي.
غير أن الصدمة كانت يوم الافتتاح، حين فُوجئ الفنانون بقرار إقصاء هذه الأعمال وإزالتها تماماً. هذا السلوك المتقلب لا يعكس فقط غياب الرؤية الفنية، بل يعد استهانة بالغة بجهد الفنان ووقته، وتعدياً معنوياً يضع المبدع في موقف حرج لا يليق بقيمته الإبداعية.
قصور الوعي بتنوع الفنون
إن إقصاء فن الخط العربي أو التعامل معه كعنصر غير مرغوب فيه، يكشف عن قصور معرفي فادح بتاريخ الفنون البصرية. فالخط العربي ليس هامشاً زخرفياً، بل مدرسة تشكيلية قائمة بذاتها، ذات امتداد حضاري وجمالي تحتل موقعاً مركزياً في المتاحف العالمية. ومحاولة تهميشه أو إزاحته لصالح رؤية ضيقة هي محاولة لطمس جزء أصيل من هويتنا الإبداعية.
من “الإبداع” إلى “التبعية الإدارية”
تتجلى الأزمة أيضاً في نمط التعامل مع الفنانين بوصفهم “مندوبين” أو وسطاء، بدلاً من الاعتراف بقيمتهم الإبداعية والمهنية كشركاء أصيلين. إن هذا النمط يمثل إخلالاً فادحاً بأخلاقيات التنظيم الثقافي؛ فالمنظم وسيط داعم للإبداع، لا سلطة فوقية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة وتختزل الفنان في أدوار وظيفية تمس كرامة الفن قبل أن تمس الأفراد.
فوضى الألقاب والمتاجرة بالشعارات
من جانب آخر، فإن ادّعاء الألقاب الرنانة، أو رفع شعارات إنسانية كبرى دون سند مؤسسي أو مرجعية موثقة، لا يصنع قيمة فنية ولا يمنح شرعية ثقافية، بل يسيء لقضايا نبيلة يُفترض أن تُحترم لا أن تُستغل كواجهة اجتماعية. فالألقاب –سواء كانت علمية تزعم “الأستاذية” أو رمزية تدّعي “السيادة”– لا تخلق حقائق على الأرض لمجرد النطق بها؛ إذ لا يكفي أن يمنح المرء نفسه نعوتاً أكاديمية أو يتقلد تيجاناً وهمية ليصبح مرموقا . القيمة الحقيقية تُستمد من الأثر والتواضع، لا من تضخيم الذات بمسميات تفتقر للمصداقية.
سلطة الذائقة الفردية
إن فرض الذائقة الشخصية المتقلبة كمعيار وحيد للقبول والرفض، دون إطار تنظيمي أو رؤية فنية معلنة، يحوّل المعرض الفني من مساحة حوار بصري إلى ممارسة سلطوية إقصائية، تتناقض مع أبسط مبادئ التعددية التي يقوم عليها الفن المعاصر.
إن الدفاع عن كرامة الفنان وعن التعدد الفني ليس موقفاً احتجاجياً عابراً، بل هو واجب ثقافي وأخلاقي. الفن لا يُدار بالإلغاء، ولا يُقاس بارتفاع الصوت أو الألقاب الجوفاء، بل بالمعرفة، والاحترام المتبادل، والانحياز الصادق لقيم الجمال والحرية. وكل التضامن مع المبدعين الذين هم أسمى من أن يُختزلوا في مسميات أو يُعاملوا بمزاجية تفتقر لأدنى معايير المهنية.