في ظل تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد “التريند” مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح قوة فاعلة في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه إدراكهم.
ومن هذا المنطلق جاءت ندوة “الوعي وهوس التريند” التي أقامتها نقابة المهن العلمية بالتعاون مع جمعية خريجي كلية العلوم جامعة الإسكندرية وملتقى سيدات الثغر ومبادرة “مستقبل أفضل”، كمنصة تثقيفية شهدت حضورًا لافتًا من النخبة، لمناقشة واحدة من أهم قضايا الساعة في محاولة لوضع إطار أخلاقي وفكري للتعامل مع الفضاء الرقمي.
وأدارت الجلسة الأولى الأديبة نجلاء خليل، رئيس ملتقى سيدات الثغر، ملتقى ثقافي توعوي وإحدى القيادات المجتمعية البارزة، حيث تناولت الجلسة الأولى محور “دور الشباب والإعلام في صناعة الوعي” بمشاركة ثلاث شابات هن عضوات مؤسسات بملتقى سيدات الثغر، قدمن رؤى ثرية حول علاقة التريند بتشكيل الإدراك.
وتناولت الأستاذة روان سامي المدرس المساعد للإعلام الرقمي بالمعهد العالي للدراسات الأدبية بكينج مريوط، الحديث بتسليط الضوء على تأثير التريند في رؤيتنا للواقع، موضحة الفقاعة الفكرية التي تحصر المستخدم داخل دائرة ضيقة من الأفكار المتشابهة، بما قد يؤدي إلى تشوه إدراكه للصورة الكاملة.
وفي السياق ذاته تناولت الدكتورة أمنية حسن، المتخصصة في الإعلام التنموي ما وصفته بـما وراء التريند موضحة الأسباب غير الظاهرة وراء انتشار موضوعات بعينها دون غيرها وقدمت شرحًا مبسطًا لآليات عمل الخوارزميات وكيف تقوم بإعادة ترتيب المحتوى المعروض للمستخدم وفقًا لاهتماماته وسلوكه الرقمي.
وأكدت أن تأثير الخوارزميات لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي فقط بل يمتد إلى مختلف المنصات الرقمية حيث يسهم النشاط الرقمي العام للمستخدم في توجيه نوعية المحتوى الذي يتعرض له ما قد يؤدي إلى محاصرته داخل نمط فكري واحد. وأشارت إلى أن هذه الآليات قد تمنح الأولوية لمحتوى أقل أهمية على حساب قضايا أكثر جوهرية اعتمادًا على معدلات التفاعل وهو ما يضع وعي الأفراد واختياراتهم تحت تأثير غير مباشر.
واختتمت الكاتبة والمترجمة والناشطة الثقافية هدير الجندي المحور الأول بطرح نقدي حول هوس الشهرة محذّرة من الانسياق وراء التريند لمجرد الظهور ومؤكدة أهمية الانتقائية وداعية إلى دعم التريندات الإيجابية التي تخدم المجتمع وتسهم في بناء الوعي.
وجاءت الجلسة الثانية متمثلة في محور “التحصين النفسي والخطاب الديني في مواجهة هوس التريند”، وأدارته المحامية بالنقض ورئيس اللجنة القانونية بالملتقى منى جابر، حيث أدارت حوارًا تفاعليًا مع الشيخ سعيد رجب عبود، موجه عام العلوم الشرعية بالأزهر، عن البعد الديني، مؤكدا أن الكلمة في العصر الرقمي لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت أمانة، لافتًا إلى أن نشر أو إعادة تداول أي محتوى دون تحقق قد يسهم في تضليل الآخرين، وهو ما يتنافى مع القيم الدينية التي تدعو إلى الصدق والتبين.
فيما تناولت الدكتورة مها البابلي، استشاري الصحة النفسية بوزارة الصحة والأمين العام لملتقى سيدات الثغر، التأثيرات النفسية للتريند، موضحة كيف قد يتحول إلى نمط من الإدمان السلوكي خاصة لدى الشباب وما يسببه من ضغوط ناتجة عن المقارنة الاجتماعية قد تصل إلى الاكتئاب، مؤكدة أهمية دور الأسرة في التوعية والتوجيه.
ولم تكن الندوة مجرد منصة للطرح، بل تحولت إلى مساحة حوارية مفتوحة، في حضور عدد لفيف من مثقفي الإسكندرية وأساتذة من كليات العلوم والآداب والشباب والإعلاميين، حيث طُرحت العديد من المداخلات التي عكست وعيًا متناميًا بخطورة الانسياق وراء الشهرة المضللة.
حيث أفادت اللجنة الثقافية للملتقى برئاسة الأديبة أمل جابر عن العزم على إقامة العديد من الندوات التوعوية في هذا الصدد، وكذلك الأستاذة سحر سعيد رئيس لجنة العلاقات العامة بالملتقى عن عقد عدد من البروتوكولات مع الجهات المختصة لتفعيل دور المجتمع المدني في التوعية بمخاطر الترندات السلبية.
وقد مثل الجمعية وألقى كلمتها الترحيبية الدكتور محمد محجوب الأمين العام للجمعية، والدكتور مهاب حسن الذي ألقى كلمة النقابة ودورها التوعوي في رفع الوعي العام في المجتمع، واختتم ملتقى سيدات الثغر توصياته بشعار: راقب – ناقش – احم