ليس التأوه مجرد صوت يتسلل من الصدر ثم يذوب في الهواء ولا ردة فعل جسدية عابرة يفرضها الألم حين يرهق الجسد بل هو واقعة وجودية مكتملة لحظة اصطدام مباشر بين الإنسان وحقيقته العارية إنه اللغة الأولى للروح قبل أن تتعلم البلاغة وقبل أن تتقن فن التبرير وقبل أن تقنع ذاتها بأن كل شيء على ما يرام في التأوه يتكلم الصمت أخيرا لا ليشرح.. بل ليشهد.
التأوه يسبق الفكر ويتجاوز السؤال الفكرة تبدأ حين نسأل لماذا أما التأوه فينبثق حين نعجز حتى عن صياغة السؤال إنه بلوغ الكائن حدوده القصوى حيث تتهاوى المفاهيم وتتعطل الخرائط العقلية ويقف الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة ولا وسائط لا يبحث عن حل ولا يطلب شفقة بل يعلن دون خطاب أن الحمل أثقل من أن تحتمله العظام.
قال تعالى
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
ليست هذه الآية توصيفا لحالة استثنائية بل بيانا لطبيعة الوجود الإنساني نفسه فالمعاناة ليست خللا طارئا في الخلق بل أحد أركانه العميقة والتأوه بهذا المعنى ليس خروجا عن الإنسانية بل عودة صادقة إلى أصلها شاهدا خفيا على أن الإنسان لم يخلق متزنا بقدر ما خلق مجربا
وفي التأوه يسقط الوهم الأكبر وهم التماسك ذلك القناع الاجتماعي الذي نتقنه حتى ننسى هشاشتنا المتأوه لا يؤدي دور الضعيف ولا يتنازل عن القوة بل يكشف منطقة قلقة يخشاها الجميع إنسان لا يزال واقفا لكنه لم يعد صلبا ومن هنا يأتي قلق الآخرين منه لأنه يذكرهم بتصدعاتهم المؤجلة وبالكسور الصغيرة التي يسندونها كل يوم خوفا من مواجهتها.
ولا يولد التأوه دائما من فاجعة عظيمة بل كثيرا ما يتشكل من تراكم التفاصيل الصامتة كلمة أرجئت واعتذار لم يأت وصبر طال حتى انقلب عبئا إنه نتاج ضغط طويل الأمد لا انفجارا مفاجئا لذلك يبدو هادئا في ظاهره لكنه يحمل في أعماقه تاريخا كاملا من الاحتمال.
قال تعالى
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
ليس هذا ضيقا في المكان بل انقباضا في الداخل حين يتقلص القلب حتى يعجز العالم بكل سعته عن احتوائه والتأوه هو الترجمة الصوتية لهذا الانقباض حين لا تجد الدموع طريقها وحين يخون الكلام مهمته.
التأوه احتجاج بلا خطاب وتمرد بلا شعارات سؤال لم يتشكل بعد في هيئة لغة وشك نقي لم تفسده التنظيرات إنه يقف معلقا بين الألم والمعنى بين الجرح وتأويله في منطقة رمادية لا تحتمل الأحكام الجاهزة.
التأوه هو الموسيقى الخفية لكل نص صادق لا يصرح به بل يحس في الفجوات في الجمل التي تنتهي قبل اكتمالها وفي الصمت الذي يلي العبارة النصوص العظيمة لا تصرخ بل تتأوه بين السطور فتدفع القارئ إلى أن يضع يده على صدره دون أن يعرف السبب.
قال يعقوب عليه السلام
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
هنا يبلغ التأوه ذروته الأخلاقية ليس شكوى للخلق ولا عرضا للألم بل انكسارا خالصا موجها إلى المطلق تأوه يتحول إلى عبادة خفية واعتراف بالعجز أمام القادر وتحرر من الحاجة إلى التبرير أمام البشر.
وليس التأوه نقيض الإيمان كما يتوهم بل أحد تجلياته الإنسانية فالإيمان الذي لم يمر عبر الانكسار يظل فكرة باردة أما الإيمان الذي عرف التأوه فقد خبر في لهيب التجربة هنا تتحول الثقة من شعار إلى امتحان ويغدو الصبر معايشة لا موعظة.
قال تعالى
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
غير أن التأوه يذكرنا بأن الوسع ليس ثابتا بل حالة تتبدل ما نحتمله اليوم قد يعجزنا غدا وما نحمله بصمت قد ينهار في تنهيدة واحدة والتأوه ليس إعلان فشل بل إشارة دقيقة إلى أن الطاقة قد لامست حدها الأخير
في عالم يكافئ القسوة ويمجد الصلابة يصبح التأوه فعل شجاعة نادر أن تعترف بألمك دون أن تحوله إلى سلعة وأن تكشف شرخك دون أن تستجدي عزاء التأوه لا يغير العالم لكنه يغير صاحبه لأنه يحرر الألم من سجنه الداخلي ويمنحه هواء ولو للحظة.
وفي تلك اللحظة بالذات لا يكون التأوه نهاية الطريق بل أكثر علاماته صدقا علامة تقول في هدوء عميق