مقالات

التوقف عن التنازلات..بقلم: مستشار محمود السنكري

التوقف عن التنازلات

بقلم: مستشار محمود السنكري

في عمر ما تأتي لحظة لا تحتمل التأجيل، لحظة تصمت فيها الأصوات من حولك وتسمع همس قلبك الذي ظل طويلًا يختبئ تحت ركام الصبر. لحظة تدرك فيها أن الطريق الذي تمشيه ليس طريقك وأن ملامحك ذابت في وجوه الآخرين وأنك كنت تمنح بلا حساب حتى صرت غريبًا عن نفسك.

كنت تظن أن التساهل فضيلة وأن التنازل عن حقك رفعة وأن الصمت عن جرحك حفظ للود، فبسطت يدك بالعطاء وأطفأت من عمرك شموعًا لتضيء لغيرك وتقدمتهم إلى الأمام بينما وضعت نفسك في آخر الصفوف. كنت تتوهم أن هذا العطاء سيعود إليك مضاعفًا أو أن قلوبهم ستحفظ جميلك.

لكن الواقع أوجع من الوهم. اكتشفت أن بعضهم أخذ عطاياك كحق لا فضل فيه ورأى صبرك ضعفًا وتنازلاتك إذعانًا. ووجدت نفسك تنكسر بصمت فيما يظنونك جبلًا لا يهتز ويحسبون أن قدرتك على التحمل لا تنفد حتى نسيت أنت نفسك آخر قائمة أولوياتك.

ثم جاء ذلك اليوم الفاصل… لم تصرخ، لم تجادل، لم تفصر، فقط قلت: كفى.

كان الصمت حينها أشد وقعًا من كل الكلام وكان القرار الذي اتخذته جدارًا لا عودة من خلفه. توقفت عن مد اليد لمن لا يراها وعن تقديم الأعذار لمن لا يقدرها وعن ذبح نفسك قربانًا في محراب من لا يعرف قيمتك.

قالوا إنك تغيرت وإنك صرت قاسيًا واتهموك بالأنانية والجفاء، لكنهم لم يدركوا أنك لم تتغير بل عدت إلى نفسك التي هجرتها طويلًا. تلك القسوة التي يرونها ليست إلا درعك الأخير لحماية ما تبقى منك وصوتًا أخيرًا يقول: أنا هنا ولن أختفي بعد اليوم.

التوقف عن التنازلات ليس جفاءً بل وعي عميق بأن احترامك لذاتك لا يقل قداسة عن حبك للآخرين وأنك لست ملزمًا بأن تحترق لتضيء طرق غيرك بينما تغرق أنت في الظلام. إنه ميلاد جديد لحياة تختار فيها نفسك أولًا لا بدافع الكره بل بدافع النجاة.

واليوم أرفع رأسي عاليًا وأقول: لنفسي حق في أن تحيا ولقَلبي حق في أن يُصان ولروحي حق في أن تُكرم. فإن كان حب النفس قسوة فلتكن قسوتي وسام كرامتي، وإن كان صمتي جفاء فليكن جفائي جسر عبوري نحو سلامي. أمضي غير آبه بظنونهم فقد تعبت… تعبت من أن أكون وطنًا مؤقتًا وقررت أن أكون أنا الوطن الدائم.التوقف عن التنازلات..بقلم: مستشار محمود السنكري

زر الذهاب إلى الأعلى