عاجل

حين تشبه الأيام نفسها… لكنها لا تعيد ما أخذته بقلم دكتور أحمد سلام ثمة خدعة هادئة يمارسها الزمن علينا فهو يجعل الأيام تتشابه إلى حدٍّ كبير، حتى نظن لوهلةٍ أنه يعيد لنا ما م.ضى. نستيقظ على صباحٍ يشبه صباح الأمس، ونسير في الشوارع ذاتها، ونلتقي بالوجوه نفسها، فنظن أن الحياة دائرة تعيد المشهد نفسه. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالزمن قد يعيد الصور، لكنه لا يعيد الأرواح التي سكنت تلك اللحظات. نعود أحيانًا إلى مكانٍ أحببناه قديمًا؛ إلى مقهى جلسنا فيه طويلًا مع صديقٍ عزيز، إلى شارعٍ كانت ضحكاتنا تملأه، إلى بيتٍ كان يحتضن طفولتنا. فنجد كل شيء كما هو تقريبًا: الكراسي في أماكنها، والنوافذ مفتوحة على الضوء نفسه. لكن شيئًا خفيًا يخبرنا أن اللحظة التي كانت هنا… قد رحلت. ليس لأن المكان تغيّر، بل لأن الزمن مرّ علينا وأخذ معه شيئًا منّا. قد نلتقي بشخصٍ عرفناه قبل سنوات طويلة. نصافحه، نتبادل الذكريات، ونضحك على حكاياتٍ قديمة. لكننا ندرك في أعماقنا أن بيننا مسافةً لا تُرى. فالعلاقات، مثل الأنهار، تجري في اتجاهٍ واحد. وحتى إن عاد النهر إلى المكان نفسه، فإن الماء الذي مرّ به لن يكون هو ذاته. بعض الأشياء ترحل ببساطة… ولا تعود. رحيل الأب من البيت القديم، رحيل صديقٍ فرّقتنا عنه الحياة، رحيل سنواتٍ كنا نظن أنها ستبقى طويلًا. وأشياء أخرى قد تعود فعلًا، لكنها تعود بوجهٍ مختلف. يعود المكان، لكن الطفولة التي كانت تملؤه لا تعود. ويعود اللقاء، لكن البراءة الأولى في القلوب لا تعود. فليس الزمن وحده من يتغير، نحن أيضًا نتغير معه. ومع ذلك، فالحياة لا تقوم على الاستعادة… بل على القدرة العجيبة على الاستمرار. لو أدرك الإنسان كل ما فقده دفعة واحدة لاختنق قلبه من ثقل الذكريات. ولهذا منحتنا الحياة نعمتين عظيمتين: الأمل… الذي يجعلنا نؤمن أن في الغد ما يستحق الانتظار. والنسيان… الذي يخفف عنا وطأة ما مضى. فالأمل يفتح نافذة نحو المستقبل، والنسيان يخفف عبء الماضي. وبينهما يمضي الإنسان متوازنًا بين ما فقده وما يمكن أن يجده. ربما لا تعيد الأيام ما أخذته منا، لكنها تمنحنا شيئًا آخر لا يقل قيمة: نضجًا هادئًا، ونظرةً أكثر رحمة للحياة، وقلبًا تعلم أن الجمال الحقيقي ليس في بقاء الأشياء. بل في أننا عشناها يومًا بصدق. وهكذا نستيقظ كل صباح وكأن الحياة تهمس لنا برفق: صحيح أن بعض اللحظات قد مضت، لكن الطريق ما زال ممتدًا. وما زالت الأيام تخبئ لنا قصصًا جديدة لم نعشها بعد.

حين تشبه الأيام نفسها… لكنها لا تعيد ما أخذته..بقلم دكتور / أحمد سلام

ثمة خدعة هادئة يمارسها الزمن علينا فهو يجعل الأيام تتشابه إلى حدٍّ كبير، حتى نظن لوهلةٍ أنه يعيد لنا ما م.ضى.

نستيقظ على صباحٍ يشبه صباح الأمس، ونسير في الشوارع ذاتها، ونلتقي بالوجوه نفسها، فنظن أن الحياة دائرة تعيد المشهد نفسه.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فالزمن قد يعيد الصور، لكنه لا يعيد الأرواح التي سكنت تلك اللحظات.

نعود أحيانًا إلى مكانٍ أحببناه قديمًا؛

إلى مقهى جلسنا فيه طويلًا مع صديقٍ عزيز،

إلى شارعٍ كانت ضحكاتنا تملأه،

إلى بيتٍ كان يحتضن طفولتنا.

فنجد كل شيء كما هو تقريبًا:

الكراسي في أماكنها، والنوافذ مفتوحة على الضوء نفسه.

لكن شيئًا خفيًا يخبرنا

أن اللحظة التي كانت هنا… قد رحلت.

ليس لأن المكان تغيّر، بل لأن الزمن مرّ علينا وأخذ معه شيئًا منّا.

قد نلتقي بشخصٍ عرفناه قبل سنوات طويلة.

نصافحه، نتبادل الذكريات، ونضحك على حكاياتٍ قديمة.

لكننا ندرك في أعماقنا أن بيننا مسافةً لا تُرى.

فالعلاقات، مثل الأنهار، تجري في اتجاهٍ واحد. وحتى إن عاد النهر إلى المكان نفسه، فإن الماء الذي مرّ به لن يكون هو ذاته.

بعض الأشياء ترحل ببساطة…

ولا تعود.

رحيل الأب من البيت القديم،

رحيل صديقٍ فرّقتنا عنه الحياة،

رحيل سنواتٍ كنا نظن أنها ستبقى طويلًا.

وأشياء أخرى قد تعود فعلًا،

لكنها تعود بوجهٍ مختلف.

يعود المكان،

لكن الطفولة التي كانت تملؤه لا تعود.

ويعود اللقاء،

لكن البراءة الأولى في القلوب لا تعود.

فليس الزمن وحده من يتغير،

نحن أيضًا نتغير معه.

ومع ذلك،

فالحياة لا تقوم على الاستعادة…

بل على القدرة العجيبة على الاستمرار.

لو أدرك الإنسان كل ما فقده دفعة واحدة

لاختنق قلبه من ثقل الذكريات.

ولهذا منحتنا الحياة نعمتين عظيمتين:

الأمل…

الذي يجعلنا نؤمن أن في الغد ما يستحق الانتظار.

والنسيان…

الذي يخفف عنا وطأة ما مضى.

فالأمل يفتح نافذة نحو المستقبل،

والنسيان يخفف عبء الماضي.

وبينهما يمضي الإنسان

متوازنًا بين ما فقده

وما يمكن أن يجده.

ربما لا تعيد الأيام ما أخذته منا، لكنها تمنحنا شيئًا آخر لا يقل قيمة:

نضجًا هادئًا،

ونظرةً أكثر رحمة للحياة،

وقلبًا تعلم أن الجمال الحقيقي ليس في بقاء الأشياء.

بل في أننا عشناها يومًا بصدق.

وهكذا نستيقظ كل صباح

وكأن الحياة تهمس لنا برفق:

صحيح أن بعض اللحظات قد مضت، لكن الطريق ما زال ممتدًا.

وما زالت الأيام تخبئ لنا قصصًا جديدة لم نعشها بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى