هناك لحظة قاسية في بعض البيوت، لحظة لا تُسمع لكنها تُغيّر كل شيء. لحظة يغيب فيها الأب، وتبقى الأم وحدها أمام الحياة. منذ تلك اللحظة، لا تعود الأم فقط أمًا… بل تصبح عالمًا كاملًا. الأم بطبيعتها مساحة للحنان، للأمان، للدفء الذي يخفف قسوة الأيام. لكن عندما تجد نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء، تضطر أن ترتدي ثوبًا آخر لم يُفصَّل لها يومًا. ثوب الحزم، الصلابة، واتخاذ القرارات الثقيلة. هي لم تُخلق لتكون قاسية، لكنها تتعلم القسوة لأن الحياة لا تترك لها خيارًا. لم تُخلق لتكون صارمة طوال الوقت، لكنها تدرك أن الحنان وحده لا يكفي لحماية أبنائها. فتعيش الصراع الصامت… كيف تكون حضنًا دافئًا ويدًا قوية في الوقت نفسه؟ كيف تواسي وتُربّي؟ كيف تمسح الدموع وتضع الحدود؟ الأم التي تصبح أمًا وأبًا معًا لا تعيش حياة عادية. هي تعيش انقسامًا داخليًا دائمًا. في داخلها أمٌ تريد أن تدلل، أن تسامح سريعًا، أن تحتوي بلا شروط. وفي داخلها أبٌ تُجبر أن تكونه، يفرض القواعد، يرفض أحيانًا، ويقول "لا" حين يجب أن تُقال. وما بين القلبين… تتعب. لا أحد يرى هذا التعب كاملًا. الأبناء يرون الحب، وربما يرون الحزم. لكنهم لا يرون تلك اللحظات التي تجلس فيها الأم وحدها، تُراجع قراراتها، تتساءل إن كانت قد كانت قاسية أكثر مما ينبغي، أو لينة أكثر مما يجب. هي لا تخاف على نفسها. هي تخاف أن يُساء فهمها. أن يظن أبناؤها أن شدتها نقص حب، أو أن يظن العالم أن قوتها غياب ضعف. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا… الأم التي تحمل الدورين ليست امرأة بلا مشاعر، بل امرأة تحمل مشاعر مضاعفة. تحب بعمق، وتخاف بعمق، وتتألم بصمت أعمق. هي لا تحاول أن تحل محل أحد، هي فقط تحاول ألا ينهار البيت. تحاول أن يبقى الأطفال مطمئنين، متوازنين، واقفين بثبات في عالم لم يكن رحيمًا معهم. وفي النهاية، ليست القضية هل نجحت في لعب الدورين بإتقان… بل كيف استطاعت أن تستمر رغم كل هذا الثقل. كيف استطاعت أن تظل أمًا، رغم أنها تحمل أعباء أبٍ أيضًا.