ليس الحزن هو القاع ، الحزن ما يزال إحساسًا، ما يزال اعترافًا متأخرًا بأن في الداخل شيئًا كان حيًّا ثم تألّم ،الحزن دليل حياة حتى وإن كان موجعًا.
أما الانطفاء فهو ما بعد الاعتراف، ما بعد الألم، ما بعد الحاجة إلى البكاء.
الانطفاء ليس وجعًا، فالوجع ترفٌ لا يبلغه من انتهى وهو اللحظة التي تتوقف فيها الروح عن الاحتجاج، حين لا تسأل: لماذا حدث هذا؟ ولا حتى: لماذا أنا؟؟
أن ينطفئ داخلك كل شيء وأن تنظر للأمور بسواسية باردة بلا حماس، بلا شغف، بلا نفور، بلا رغبة، هو أقسى من أن تحزن لأنك في الحزن ما زلت تشعر أما هنا… فلا شيء.
في الانطفاء، تتساوى الخسارة والنجاة ،النتائج بلا معنى والطرق بلا اتجاه والوصول مثل الضياع تمامًا فالأشياء تمر أمامك كما تمر الجثث في ذاكرةٍ أُرهقت من العد لا تثير دهشة ، لا تثير خوفًا، ولا تستحق حتى الرفض.
جميع الأشياء التي أحببتها يومًا تتخذ طريقًا آخر غير طريقك، لا لأنها خائنة بل لأنك لم تعد صالحًا للمرافقة، انسحبت بصمت وتركتها تكمل الحياة كما لو أنك لم تكن جزءًا منها أصلًا.
أما الأشياء التي لم تُطق التفكير بها تلك التي كنت تتهرب منها فتخرج في طريقك عند كل لحظة، عند كل ثانية وأخرى، ليس لتؤلمك…بل لتذكّرك أن الألم نفسه قد فقد قدرته عليك.
في الحزن.. ما زلنا نحب ما فقدناه ، أما في الانطفاء، فنفقد حتى الرغبة في الحب ونترك الأشياء ترحل دون وداع لا لأننا نضجنا بل لأن التعب بلغ حدّ انعدام الشعور.
الإنسان المنطفئ لا يبكي لأن البكاء اعتراف، ولا يكره لأن الكراهية ارتباط، ولا يغضب لأن الغضب طاقة وكل الطاقات أُطفئت واحدةً تلو الأخرى، حتى الخوف يرحل.
الخوف يحتاج قلبًا نابضًا وأنت لم يتبقَّ لك سوى عادة النبض فتمر الأيام لا كزمن بل كنسخ متطابقة من فراغٍ واحد ، لا انتظار، لا أمل، ولا حتى يأس… واليأس نفسه كان يحتاج سببًا.
تستيقظ لا لأنك تريد ولا لأنك مضطر بل لأن الجسد لم يتعلم بعد كيف يتوقف فتعيش لا لأن للحياة معنى بل لأن الموت لم يطلبك بعد.
وهنا تبلغ القسوة ذروتها..أن تكون موجودًا دون أن تكون حاضرًا ، أن تتنفس، تمشي، تتكلم لكن بلا أثر داخلي، بلا صدى كجملة توقفت قبل أن تقول شيئًا.
الإنسان المنطفئ لا ينتحر ولا ينجو، هو لا يُكسر ولا يُهزم ولا يُقتل…بل يُترك.
يُترك ليستمر دون معنى، دون رغبة ودون حتى القدرة على السؤال: لماذا؟ فالأحلام تحترق أولًا والأسئلة بعدها،