قمة الغباء ليست أن تخطئ فالخطأ مساحة بشرية مشروعة بل أن تمارس الاستغباء بوعي كامل وأن تتصرف وكأن العيون مطفأة والعقول نائمة والحقيقة قابلة للدفن إلى الأبد الغباء لحظة أما الاستغباء فاختيار الأول ضعف والثاني احتقار صريح لذكاء الآخرين.
قمة الغباء أن يخدعك شخص ثم يظن بوقاحة الواثق أن القناع صار وجهًا وأن الكذبة تحولت تاريخًا وأن الزمن يمكن رشوتُه بالنسيان لا شيء أكثر سذاجة من مخادع يصدق تمثيله ولا شيء أفظع من عقل يراهن على عتمة دائمة.
في الفلسفة القاتمة لا يقاس الذكاء بمهارة التضليل بل بقدرة الإنسان على تحمل الحقيقة عارية أما الخداع فليس دهاء بل عجز عن المواجهة وهروب جبان من مرآة النفس كل كذبة اعتراف مؤجل بالهزيمة وكل تمثيل طويل إعلان إفلاس أخلاقي لأن من يزيف واقعه لا يبني مستقبلًا بل يؤجل سقوطه.
الاستغباء أخطر من الغباء الغباء قد يُشفق عليه أما الاستغباء فيستفز العقل ويهين الفطرة أن تفترض في الآخر سذاجة دائمة يعني أنك لم تفهم الإنسان ولم تقرأ التاريخ ولم تدرك أن الزمن أعظم القضاة التفاصيل مهما صغرت تتحالف يومًا لتفضح صاحبها فالذاكرة تخون واللغة تتعثر والنبرة تنكسر عند أول اختبار.
في عمق العتمة تتساوى الأقنعة يسقط منها ما سقط ويبقى الوجه العاري هناك لا تنفع البلاغة ولا تجدي الحيل ولا تنقذ العلاقات المبنية على الوهم من يخدعك مرة قد ينجح أما من يظن أنه أذكى منك لأنه خدعك فقد وقع حكم انكشافه بيده.
الغباء الحقيقي أن تعتقد أن الصمت غفلة وأن التسامح ضعف وأن التأجيل خوف الصمت في كثير من الأحيان حكمة سيدة الموقف والتسامح اختيار الأقوياء لا عجز العاجزين فبعض الناس يرون كل شيء لكنهم يؤجلون الرد احترامًا لذواتهم لا رهبة من خصومهم.
وحين تأتي لحظة الحقيقة لا تكون صاخبة كما يتوهم الكاذبون لا تدخل بعاصفة بل بخطوة واثقة تظهر هادئة دقيقة كقاض لا يحتاج إلى رفع صوته لأن الملف مكتمل عندها لا يدان المخادع بما قيل عنه بل بما قاله هو عن نفسه دون أن يدري فتخونه رواياته وتتضارب أقنعته ويقف وحيدًا أمام سؤال لا مهرب منه كيف أقنعت نفسك قبل أن تحاول إقناع الآخرين.
هنا يبلغ الاستغباء ذروته حين يطالب الكاذب بالتعاطف ويستجدي التصديق ويغضب لأن الوعي لم يعد يقبل الفتات يريد أن يصدق لا لأنه صادق بل لأنه اعتاد أن يصدق.
لكن الوعي حين يستيقظ لا يجادل ولا يصرخ ولا ينتقم هو فقط يسحب الشرعية من الزيف ويتركه يتآكل من الداخل فلا شيء أقسى على المخادع من أن يعامل كحقيقة منتهية الصلاحية ولا شيء أوجع من أن يكتشف أن اللعبة لم تنته لأنه أجادها بل لأنها انكشفت.
وهكذا يسقط الاستغباء لا بضربة بل بانسحاب المعنى وتنهار الكذبة لا بفضيحة بل بعدم الاكتراث قمة الغباء أن تبني انتصارك على خداع فأول خسارة فيه أنت وقمة الاستغباء أن تراهن على قصر ذاكرة الوعي بينما الوعي وإن تأخر لا ينسى.
فالحقائق لا تموت إنما تنتظر لحظتها وحين تتكلم لا تترك لأحد فرصة إنكار…