مقالات

حين يتكلم الخنجر..بقلم مستشار محمود السنكري

الخنجر حين يتكلم: لماذا لا يُطعن إلا من في المقدّمة؟

حين يتكلم الخنجر
بقلم مستشار محمود السنكري

الخنجر حين يتكلم: لماذا لا يُطعن إلا من في المقدّمة؟
ليست الطعنة من الخلف حادثة عابرة في سيرة الإنسان ولا سقطة أخلاقية يتيمة في دفتر العلاقات بل هي بيان وجودي فاضح يعلن دون كلمات موقعك الحقيقي في خريطة الحياة ،
فالخناجر لا تُغرس في ظهور الواقفين عند الحواف ولا تُوجَّه لمن اعتادوا الاحتماء بالظل بل تبحث دائمًا عن الظهر المكشوف لمن تقدّم لمن قال لا حين صمت الآخرون ولمن تجرّأ أن يكون ذاته بلا أقنعة.

الطعن من الخلف ليس فعل شجاعة بل اعتراف هزيمة..إنه اللغة الوحيدة التي يتقنها من أدرك متأخرًا أنه لم يعد قادرًا على المواجهة فالمتأخر يعرف في أعماقه أن عينيه لا تقويان على النظر في عين من تجاوزه وأن صوته لا يحتمل صدى الحقيقة لذلك يختار الظهر حيث لا أسئلة ولا اشتباك ولا امتحان للضمير.

الإنسان الذي يسير في الأمام لا يحتاج أن يؤذي أحدًا ليصنع أعداءه ، يكفي أن يكون واضحًا فقد أصبح الوضوح جريمة في عالم اعتاد الضباب والاستقامة إدانة ضمنية لمن بنوا حياتهم على الالتفاف ،

المتقدّم يربك الحسابات لأنه يفضح الساكنين ويوقظ النائمين ويذكّر المترددين بما لم يستطيعوا أن يكونوه ومن هذا العجز تحديدًا تولد الطعنة لا من قوة الخصم بل من ضعف القريب.

وغالبًا ما تُدار الخيانة بملابس الفضيلة. تُقدَّم الطعنة على أنها نصيحة أو حرص أو خوف عليك. تُغلَّف العداوة بلغة أخلاقية ناعمة كأن اللغة قادرة على تغيير جوهر الفعل لكن الخنجر يظل خنجرًا مهما لُمِّع بالمبررات ومهما اختبأ خلف الابتسامات ، النخبة وحدها تدرك أن الأفعال لا تُغسل بالكلمات.

فلسفيًا.. لا يُقاس الإنسان بعدد من صفقوا له بل بعدد من انقلبوا عليه حين قال الحقيقة ، فإن الحقيقة ثقيلة ومن يحملها لا بد أن يتعب ومن يمشي بها أمام الناس لا بد أن يُستهدف ولذلك كان تاريخ الأفكار حافلًا بالمنفيين والمُغتالين معنويًا لا لأنهم أخطأوا بل لأنهم سبقوا ، كل فكرة عظيمة لها أعداء وكل موقف مستقيم له خصوم وكل ضوء قوي يصنع ظلالًا حاقدة.

الطعنة تؤلم نعم.. لكنها لا تؤلم الجسد فقط إنها تصيب المعنى ، تؤلم لأنها جاءت من حيث ظننت الأمان لأنها كشفت أن القرب لا يعني الصدق وأن المشاركة لا تعني الولاء ومع ذلك فهي لحظة وعي نادرة لحظة تسقط فيها الأوهام دفعة واحدة وتتعرّى الوجوه وتُعاد صياغة الثقة من جديد أقل براءة وأكثر عمقًا.

بعد الطعنة لا تعود كما كنت ، تصبح أخفّ في علاقاتك أثقل في مبادئك ، تتعلّم أن القلة الصادقة أثمن من الحشود وأن السير وحدك بشرف أكرم من الاصطفاف مع القطيع بلا معنى وتدرك أن الطريق الحقيقي لا يحتمل الزحام وأن الصدارة ليست منصة للتصفيق بل ساحة مكشوفة لدفع الثمن.

لذلك.. إذا طُعنت من الخلف لا تُفرط في الالتفات.. من اختار هذا الموضع اعترف ضمنيًا أنه لن يصل إلى الأمام أبدًا ،

أمّا أنت فاعلم أن الطعن ليس علامة سقوط بل دليل حركة وليس سببًا للتراجع بل شهادة تقدّم فانهض عدّل اتجاهك وأكمل الطريق.

فالطريق لا يُكمِله إلا من فهم أن الخناجر لا تُغرس إلا في ظهور السائرين.
وأن الصدارة لا تُمنح بل تُنتزع بثمنها وعيًا وصمتًا واستمرارًا.

زر الذهاب إلى الأعلى