مقالات

بلاغة الصمت وكرامة الإنسحاب..بقلم مستشار محمود السنكري 

بلاغة الصمت وكرامة الإنسحاب

بقلم مستشار محمود السنكري 

بلاغة الصمت وكرامة الإنسحاب..بقلم مستشار محمود السنكري 

ليس الصمت حيادا ولا الإنسحاب فرارا إلا في وعي قاصر لا يميز بين الضعف والحكمة فثمة لحظة فاصلة في تجربة الإنسان يدرك فيها أن الاستمرار في الكلام خيانة للعقل وأن البقاء في المشهد خضوع لرداءة لا تحتمل ، 

عندها لا يعود الصمت نقصا بل يتحول إلى موقف فلسفي صارم ولا يصبح الانسحاب هزيمة بل فعل سيادة على الذات.

الصمت في جوهره ليس انعدام الصوت بل امتلاء المعنى هو احتجاج صامت على عالم يثرثر بلا وعي ويجادل بلا حقيقة ويخاصم بلا أخلاق ،

حين يصمت العاقل فهو لا ينسحب من المواجهة بل يرفض أن يهب خصمه شرف المعركة فبعض الجدالات لا تحسم بالحجج لأن الطرف الآخر لا يبحث عن الحقيقة بل عن الضجيج ولا يريد الفهم بل الغلبة ، 

هنا يصبح الكلام تنازلا ويصير الصمت شكلا من أشكال المقاومة الراقية.

أما الإنسحاب فهو امتحان الشجاعة الأخير ..أن تبقى حيث تهان القيم سهل وأن تغادر حيث يستهان بالعقل صعب ، الإنسحاب ليس انكسارا بل وعي حاد بأن المكان الذي يجبرك على تبرير أفعالك أو الدفاع عن كرامتك مكان لا يستحق وجودك فهنا من ينسحب بكرامة لا يخسر موقعا بل يسترد نفسه.

الفلسفة لم تنجب يوما إنسانا صاخبا منتصرا بل أنجبت عقلا هادئا يرى أبعد مما يرى الجمع، سقراط صمت كثيرا قبل أن يتكلم وديكارت انسحب من ضجيج المسلمات ليؤسس يقين الشك ونيتشه هرب من القطيع ليكتب من عزلته فلسفة المطرقة، التاريخ لا يتذكر الصاخبين طويلا بل يحفظ للمنسحبين بوعي أثرهم لأنهم اختاروا المسافة التي تسمح بالرؤية.

في الصمت تستعاد السيادة على الذات وفي الإنسحاب تصان الكرامة من التآكل فالاستمرار في موضع فاسد لا يثبت القوة بل يكشف التواطؤ والجدال الدائم لا يدل على عمق بل على خوف من الفراغ ، القوي حقا هو من يستطيع أن يقول هنا يتوقف حضوري دون أن يشرح ودون أن يعتذر ودون أن يطلب فهما من أحد.

بلاغة الصمت تكمن في قسوته الهادئة فهو لا يجرح لكنه يفضح ، لا يهاجم لكنه يترك الآخر مكشوفا أمام خوائه ، أما كرامة الإنسحاب فهي أن تغادر دون أن تنظر خلفك لأنك تعلم أن العودة ليست خيارا حين يمس الجوهر.

في عالم يخلط بين الجرأة والوقاحة وبين الثبات والعناد يصبح الصمت موقفا فلسفيا حادا ويصبح الإنسحاب فعلا أخلاقيا ثوريا ، 

ليس كل من بقي صمد وليس كل من غادر انهزم ، أحيانا يكون الإنسحاب هو الشكل الأقصى للقوة والصمت هو اللغة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها.

وهكذا لا يكون الصمت هروبا من المواجهة بل ارتقاء فوقها ولا يكون الإنسحاب فقدانا للمكان بل استعادة للذات ، فمن عرف قيمة نفسه لم يقايضها بضجيج ومن فهم معنى الكرامة أدرك أن أعنف القرارات قد تتخذ في هدوء كامل…

زر الذهاب إلى الأعلى