ترميم النفس ليس خلاصا سريعا ولا نهاية سعيدة للألم بل سيرا بطيئا في منطقة رمادية بين ما انكسر وما لم يمت بعد ،
يبدأ حين تعترف الروح أنها لم تعد كما كانت وأن شيئا ما تراجع إلى الداخل ولم يعد قادرا على العودة فالنفوس لا تنهار بضجيج بل تذبل بصمت حتى يصبح الاستمرار عادة لا حياة.
نرمم النفس لأن الألم إذا تُرك بلا معنى يتحول إلى عبء ثقيل يضغط على الوعي.. ليس الترميم هروبا من الوجع بل محاولة لفهمه ومنحه شكلا يمكن احتماله وأن تنظر إلى جراحك لا كفضيحة داخلية بل كأثر رحلة طويلة لم تكن رحيمة فكل ندبة تحمل سؤالا مؤجلا وكل وجع لم يجد لغته بعد.
في الفلسفة لا يقاس الإنسان بعدد مرات نجاته من السقوط بل بقدرته على الوقوف وهو مثقل بالذاكرة فالقوة ليست في سلامة الداخل بل في القدرة على التعايش مع شرخه دون إنكار والترميم ليس عودة إلى ما قبل الألم لأن ذلك مستحيل بل قبول بما بعده مهما كان أثقل وأصدق.
يبدأ الترميم بالصمت..صمت لا يهرب ولا يتجمل بل يواجه ففي الصمت تظهر الحقيقة عارية بلا وساطة ، هناك تسقط الصور التي دافعنا عنها طويلا وتنكشف الذوات التي كنا نخشى رؤيتها وهناك فقط يبدأ العمل المؤلم أن تسامح ما لا ينسى وأن تقبل ما لا يتغير وأن تعترف بأن بعض الخسارات ستبقى جزءا منك إلى الأبد.
الترميم ليس نسيانا بل ذاكرة أقل نزفا ليس محوا للماضي بل وضعه في مكان لا يسيطر فيه على الحاضر فالنفس التي تترك جراحها بلا وعي تعيش في صراع دائم أما النفس التي تعترف بها وتعيد ترتيبها فتصبح أكثر هدوءا حتى وهي موجوعة.
وفي هذا الطريق تتعلم النفس التواضع. تتصالح مع هشاشتها وتدرك أن القسوة ليست قوة وأن الانكسار ليس دائما هزيمة. فبعض الأرواح لا تنجو إلا حين تعترف بأنها تعبت وكل ترميم صادق يترك شقوقا صغيرة لكنها شقوق تسمح للنور بالدخول دون وعد بالشفاء الكامل.
ترميم النفس شجاعة حزينة لأنه يتطلب التخلي عن صورة أحببناها وعن وهم الاستقرار ، لكنه يمنح شيئا أعمق من الطمأنينة يمنح صدقا هادئا يشبه المصالحة مع الذات ومع التاريخ ومع الحق في الاستمرار رغم كل شيء.