مقالات

البطولة من الهامش: تحليل بنية الشخصية النسوية في فيلم Erin Brockovich (2000)

البطولة من الهامش: تحليل بنية الشخصية النسوية في فيلم Erin Brockovich (2000)

كتبت /رشا عبد الوهاب 

يتناول هذا المقال تحليل البنية الدرامية لشخصية البطلة في فيلم

 Erin Brockovich (2000)

 من خلال مقاربة نقدية تعتمد على مفاهيم البطولة، الصراع، وتطوّر الشخصية داخل السرد السينمائي.

 يركز المقال على كيفية تشكّل البطولة من الهامش الاجتماعي، وعلى آليات تحويل الشخصية غير النمطية إلى فاعل درامي قادر على إحداث تغيير قانوني ومجتمعي. ويخلص المقال إلى أن الفيلم يقدّم نموذجًا مغايرًا للبطولة النسوية، قائمًا على الفعل والمثابرة لا على المثالية أو الخطاب الأيديولوجي.

تُعد شخصية البطل محورًا أساسيًا في البناء السردي للأعمال السينمائية، إذ تتحدد من خلالها طبيعة الصراع ومسار الحكاية. غير أن السينما الحديثة، لا سيما في أفلام السيرة الذاتية، اتجهت إلى تفكيك النموذج التقليدي للبطولة، واستبداله بشخصيات واقعية تنتمي إلى الهامش الاجتماعي. ويأتي فيلم Erin Brockovich (إخراج: ستيفن سودربيرغ، 2000) مثالًا بارزًا على هذا التحول، حيث تُقدَّم البطولة عبر شخصية نسوية غير نمطية، بعيدة عن التصورات المثالية السائدة.

يهدف هذا المقال إلى تحليل كيفية بناء شخصية إيرين بروكوفيتش دراميًا، ورصد تطورها داخل بنية الصراع، مع الوقوف على الدلالات الاجتماعية والسينمائية لهذا النموذج من البطولة.

أولًا: الإطار النظري للبطولة السينمائية

تُعرَّف شخصية البطل بأنها المركز الذي تتقاطع عنده خيوط السرد، وهو الفاعل الأساسي في اتخاذ القرارات وتحريك الأحداث. ويُعد الغريم عنصرًا بنيويًا ضروريًا لإبراز قدرات البطل، عبر خلق العقبات وتأجيج الصراع. في هذا السياق، لا يكون البطل بالضرورة نموذجًا أخلاقيًا مثاليًا، بل شخصية تحمل تناقضاتها وعيوبها، ما يمنحها مصداقية إنسانية.

ينتمي فيلم Erin Brockovich إلى هذا التصور المعاصر، حيث تتأسس البطولة على الصراع مع منظومة مؤسسية كبرى، لا مع خصم فردي، وهو ما يضفي على السرد بعدًا اجتماعيًا وقانونيًا واضحًا.

ثانيًا: تقديم البطلة والحدث المفجِّر

يقدّم الفيلم إيرين بروكوفيتش كامرأة مطلقة، أم لثلاثة أطفال، تعاني من الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي. تتسم شخصيتها بالاندفاع وسلاطة اللسان، وهي صفات تجعلها مرفوضة اجتماعيًا ومهنيًا. هذا التقديم لا يأتي عرضًا، بل يؤسس لحالة التوتر الأولى بين الشخصية والعالم المحيط بها.

يشكّل الحادث المروري الذي تتعرض له إيرين، وما يعقبه من خسارتها للقضية القانونية، الحدث المفجّر الذي يدفعها إلى العمل في مكتب المحامي إد ماسري. ومن هنا يبدأ التحول التدريجي من شخصية سلبية تعاني التهميش، إلى فاعل درامي يسعى إلى إثبات ذاته.

ثالثًا: تصاعد الصراع واكتشاف القضية

في الفصل الثاني من البناء الدرامي، يتصاعد الصراع مع اكتشاف إيرين لوجود تلوث بمادة الكروم السداسي في مياه إحدى المناطق، نتيجة ممارسات شركة كبرى. يتحول الغريم هنا من كيان غير مرئي إلى مؤسسة تمتلك المال والنفوذ والمعرفة العلمية.

تعتمد البطلة في مواجهتها على وسائل غير تقليدية؛ فهي لا تملك خلفية قانونية، لكنها تمتلك قدرة فطرية على التواصل مع الضحايا، وجمع الشهادات، وربط التفاصيل. هذا التحول في أدوات الصراع يعكس رؤية الفيلم للمعرفة بوصفها خبرة معاشة، لا مجرد تأهيل أكاديمي.

رابعًا: الذروة وتحول الشخصية

تبلغ الحبكة ذروتها مع نجاح إيرين في جمع الأدلة القاطعة، وإقناع مئات المتضررين بتوكيل المحامي لرفع الدعوى. في هذه المرحلة، يظهر التحول الجوهري في الشخصية؛ فإيرين لا تتخلى عن حدّتها أو اندفاعها، لكنها تعيد توجيهها نحو هدف واضح.

تمثّل لحظة إعلان التعويضات ذروة إنسانية بقدر ما هي ذروة درامية، إذ تختزل الرحلة الكاملة للبطلة من الهامش إلى التأثير، ومن الغضب الفردي إلى الفعل الجماعي.

خامسًا: دلالات البطولة النسوية في الفيلم

يقدّم Erin Brockovich نموذجًا مغايرًا للبطولة النسوية، لا يقوم على المثالية أو الخطاب الحقوقي المباشر، بل على الفعل والمثابرة والاحتكاك اليومي بالواقع. لا يسعى الفيلم إلى تبرير عيوب البطلة أو تلطيفها، بل يجعل منها جزءًا من قوتها الدرامية.

وبذلك، ينجح الفيلم في إعادة تعريف البطولة باعتبارها قدرة على الاستمرار والمواجهة، لا صفة جاهزة أو امتيازًا اجتماعيًا.

يخلص هذا المقال إلى أن فيلم Erin Brockovich يقدّم معالجة سينمائية ناضجة لمفهوم البطولة، من خلال شخصية نسوية تنتمي إلى الهامش، لكنها تنجح في قلب موازين القوة عبر الإصرار والفعل. وتكمن أهمية الفيلم في كونه لا يكتفي بسرد قصة انتصار قانوني، بل يطرح رؤية أعمق لدور الفرد في مواجهة المنظومات الكبرى، وهو ما يمنحه قيمة فنية ونقدية مستمرة.

زر الذهاب إلى الأعلى