يدلى الاستاذالدكتورمحمدسلام بدلوه متحدثا عن الانتخابات النيابية وكيف تكون السياسة والساسه من خلال تمثيل مجلسي: الشورى والنواب
– كيف تكون السياسة والساسة في خدمة الوطن…….؟ والتاريخ شاهد ب سمو سياسة الإسلام…! ————————————————————————————
في أول اجتماع لإنشاء الحزب الوطني في ٢٧ ديسمبر ١٩٠٧م. وهو حزب سياسي انتُخِب مصطفى كامل زعيمًا له مدى الحياة، تلك الحياة التي لم تطل بعد هذا الاجتماع أكثر من ٤٤ يومًا من عمر لم يتجاوز ٣٤عامًا تلك الحياة التي جاد بها من أجل أمته على نحو ما يقول(١): ” أوقفت لخدمتها حياتي: وقواي، وعقلي، وقلبي، ولساني، وصحتي. وكم من صديق قال لي: أشفق على صحتك التي لا تدخر وسعًا في بذلها، ولكن الواجب لبلادي ووطني ينسيني تلك النصائح. فأنا الآن: إذا قبلت اختياركم لي رئيسًا، فإنما هو لثقتي بأن كل واحد منكم أصبح حياتي وشعوري واعتمادي، بل صار كل منكم في الشعور الوطني أكبر من مصطفى كامل…”.
▪︎ السياسة لا تعني أن الغاية تبرر الوسيلة: —————————————————- إن السياسة -وكذلك السياسي- إذا كانت كما تمثل في النموذج السابق، فإنها لا تكون كما يشاع عن حقيقتها كما يمارسها كثير من الناس على أنها: (فن الممكن) بما يعني أن السياسي يمكنه أن يقوم بعمل أي شيء في سبيل الوصول إلى هدفه وغايته مهما تكن الوسيلة…
– لقد تَجلَّت السياسة لدى مصطفى كامل في رئاسته حزب سياسي وطني على أنها (خدمة لأمته) على مدار حياته السياسية بكل ما يملك: من قوى، ومؤهلات: مادية، وفكرية بسخاء، ولا يتمثل ذلك لدى أكبر السياسيين في الحزب فحسب، وإنما يتمثل ذلك من خلال الشعور الوطني الأكبر الذي يجعل من كل الأفراد في انتماءاتهم السياسية لوطنهم أفرادًا يبدو كل منهم في نظر الرئيس أكبر من الرئيس، وذلك حيث يقول: ” إننا لسنا حزبًا سياسيًّا فقط، بل نحن قبل كل شيء حزب حياة للأمة وإنهاض لها، فلا نغفل التعليم بين سائر الطبقات لحظة واحدة … حتى لا يبقى مصري جاهلًا…
– وهو يرمي قبل كل شيء إلى أن يكون المصري إنسانًا بأسمى معاني الكلمة، وأقصد بالمصري ليس فقط أهل المدائن…، بل أقصد بنوع خاص ذلك الفلاح الذي قضى القرون دون أن يكون له أي إرادة، رغم أنه ممثل النشاط المصري، ومصدر كل خير ونعيم…. – ولذا فإن أسمى عمل نقوم به هو إنهاض ذلك الفلاح العزيز وإعلاء مكانته كي يغدو رجلًا حرًّا يحيا حياة كريمة تليق بكونه أنسان له من الحقوق والمكارم ما يكون لأي إنسان حر كريم…
▪︎ السياسة سبيل ليقظة الوطن وخدمته: ————————————————– إن السياسة سبيل ليقظة الوطن وخدمته على كل المستويات، بل تبدو عملًا نبيلًا، إذ تعترف بقيمة العامل، ولا سيما الفلاح الذي يعد مصدر رخاء المجتمع وهناءته، حيث تبادله السياسة بما يقدمه للوطن التقدير والكرامة، والعمل على سعادته… – والسياسة بهذا ليست إعجابًا، ولا تمجيدًا للسياسيين، وإنما هي وعي وحسن تقدير للأمور بحكمة وبصيرة، وحسن تعامل: قولًا صادقًا صريحًا، وعملًا نافعًا مخلصًا من أجل أن يحيا الوطن وأهله في عزة وكرامة ووعْي، على نحو ما تمثل في خطبة ألقاها مصطفى كامل أول أكتوبر ١٩٠٠م بمناسبة تأسيسه مدرسة للمتفوقين، حيث يقول(٢): ” ولست الآن واقفًا أمامكم موقف المتباهي بعمله…. ولكني واقف موقف الخادم لأمته المفدِي نفعها براحته، فقد أسستُ هذه المدرسة غير مفكر في صعوبة العمل.. غير ملتفت إلى أقوال المثبطين للهمم…. ونهضتُ بها مدفوعًا باعتقاد تَمَلَّكَ فؤادي، وهو أن كل فرد في هذه الأمة مطالب بخدمتها مهما قصر الآخرون، وسِرتُ في طريقي هذا معتمدًا على فاطر الأرض والسماء، نصير العاملين، وعون المجتهدين”.
▪︎ السياسة الحقة لا تقوم على الغش والكذب: ——————————————————— إن السياسة الحقة لا تقوم على الغش والكذب والخيانة، ولذا فإن مصطفى كامل يحذر من خطورة ذلك وأضراره، ولا سيما إذا كان من أبناء الوطن الذين يفخِّم بعضهم شأن أعدائه، إذ يصدقون أكاذيبهم، والطامة الكبرى أنهم يُروِّجون لذلك على أنه عين الصدق والخير مع علمهم بأنهم يكذبون، وهم بهذا يخدعون وطنهم وأهلهم، ويخونون الله ورسوله ﷺ ويخونون أنفسهم، كما أنهم بهذا يعدون حربًا على وطنهم في حاضره ومستقبله… والسياسة الحقة تكشف ذلك كله وتفضحه، وتحذر من خطره وضرره، ولذا فإن مصطفى كامل بوصفه سياسيًّا وطنيًّا حقيقيًّا يذكِّر بكلمة الحق الجامعة لرسول الله بالحق، إذ يقولﷺ: ” من غشنا فليس منا “. [٣).
يقول مصطفى كامل(٤): “إن الأسى والضرر لا يمكن أن يصيبنا إلا من إخواننا في الوطن الذين يخونون وطنهم، والذين ينشرون اتهامات الأعداء ويفخمونها مع علمهم اليقين أنهم يكذبون، يخونون، وأنهم خارج الوطن، وأنهم يخدعون الوطن والمواطنين، وأنهم يحاربونهم في أعز آمالهم. تَعرَّفوا عليهم، وأدرِكوا أنهم في مقدمة أعداء وطننا…”.
بموضوعية:︎ السياسة ليست خيرًا كلها: —————————————————— على أن السياسة ليست خيرًا كلها؛ فقد تبين أنها فيها أكاذيب وغش وخداع وخيانة، وفيها إضافة إلى ما سبق تكتلات وتعصبات لدى طوائف من السياسيين من ذوي النفوذ المتسلطنين، والمتسلطين بظلم وسلب، بل بضغط وإرهاب…
وإدراك ما يدور في دهاليز السياسة التي تكون على هذه الشاكلة أمر من الأهمية بمكان؛ إذ إن من ضروب السياسة التي يجب كشفها والتنبه إلي خبيث بذورها وعقابيلها، ووخيم عواقبها، وشر ثمارها: سياسة التفكك التي دائمًا ما يلجأ إليها أعداء الوطن بممارستها على كل المستويات لعلمهم أنهم -مهما كانت قواهم- فلا قِبَل لهم بقوى الإيمان؛ لأنها قوى الحق التي وعدها الله بالنصر (لَيُحِقَّ الْحَقَّ ويُبطلَ الباطلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)(٥).
▪︎ التاريخ شاهد على: أن أعداء الوطن لم ينالوا منه إلا عن طريق… خيانة من ساسوهم، فعاونوهم، وصاروا لهم عملاء… —————————————————————————— التاريخ شاهد على أن أعداء الوطن لم ينالوا من الوطن بقواتهم، وإنما بعمالة وخيانة من ساسوهم، فعاونوهم وأعانوهم من جانب، وأحدثوا شقاقًا واختلافًا ونزاعًا في صفوف الوطن من جوانب أخرى رغم تحذير الله القوي المتين من ذلك بقوله الحكيم(٦): (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)
– يقول مصطفى كامل(٧): ” إنه لمن الغريب حقا أن يوجد مناصرون لتلك السياسة، سياسة التفكك… هؤلاء المناصرون الذين لا يكفون عن أن يلقنوننا ليلًا ونهارًا أن (الأعداء) هم الأقوياء ونحن الضعفاء….”.
– ولذا، فإن مصطفى كامل بِحسِّه السياسي الوطني الصادق يهتف في أسماع الوطنيين والسياسيين الشرفاء أن يأخذوا حذرهم في كل حال، وألا يسمعوا أو يستجيبوا للإشاعات والوشايات، وأن يوحدوا الصفوف والجبهات صفًّا واحدًا وجبهةً واحدةً استمدادًا من القول المقدس عمن يجاهدون ويقاتلون بالحق في سبيل الله(٨): (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ). وذلك بالعمل بكل السُّبُل كي تحيا مصر وأمتنا آمنة قوية ناهضة…
– يقول مصطفى كامل(٩): ” اتَّحِدوا وَوَحِّدوا صفوفكم، وخُذُوا حذركم، وليكن كل منكم الحزب كله، وليكن الجميع جبهة واحدة…! ثم صُمُّوا آذانكم عن الوشايات. واعلموا أنكم صانعوا أشرف عمل في خدمة أعظم وأشرف وطن. ارفعوا هاماتكم أنتم: يا سلالة الفراعنة، ويا ورثة حضارة الإسلام… ومرة أخرى كونوا متحدين… وقولوا كلكم معي: تحيا مصر…..”.
▪︎ السياسة الحقة إيمان راسخ بأن الحق إلى نصر… —————————————————————- إن السياسة الحقة إيمان راسخ بأن الحق إلى نصر، وأن الغاية إلى بلوغ، والسياسي المؤمن بحقوق وطنه يتمتع بسياسة ذات نفَس طويل…. إذ يسير إلى غايته دون كلل أو ملل مؤمنًا بأن النتيجة هي النصر، كما تقول الحكمة: ” من سار على الدرب وصل….”.
– يقول مصطفى كامل(١٠):”وليكن مبدؤنا على الدوام هو الإقناع.. وإن قوة القانون لا تقهر، والنصر لها مؤكَّدٌ إنْ عاجلًا أو آجلًا”.
– والسياسة الحقة كذلك كلمة حق في وجه كل قوة ظالمة، والسياسة قوة قادرة على زنة الأمور ووضعها في نصابها الصحيح، وهي مصباح كاشف لأقدار الرجال الذين يشرف بهم الوطن العزيز، إذ يعادلون أكفأ السياسيين العقلاء لدى كل الأمم..
▪︎ السياسة أولاً وأخيرًا ممارسة إنسانية حكيمة: – والواقع يشهد بأن مصر لديها سياسيين أكفاء عالميًّا… – والتاريخ شاهد أمين على السياسة الراشدة لخلفاء الإسلام… ——————————————————————————- إن السياسة أولاً وأخيرًا ممارسة إنسانية حكيمة…. ولذا، فإن مصطفى كامل يقدم العدل والرحمة على السياسة؛ إذ إن السياسة الراشدة ينبغي أن تعمل على تخفيف آلام الناس، والتاريخ شاهد أمين على السياسة الراشدة لخلفاء الإسلام العظماء في الاعتماد على الحقائق، والامتثال للحق ولو من أدنى الناس، فلم تكن السياسة عندهم فوق الحق، حيث كان الحق عندهم فوق كل شيء..
– يقول مصطفى كامل(١١): ” إذا كان (الأجانب) يجهلون أحوال المصريين وما يدور بينهم، فليعلموا أن في هذه الأمة رجالاً متنورين رشيدين يعادلون أكفأ العقلاء من (الأجانب) وأنهم يغارون على الحق والعدل، ولا يرضون بأن تكون الأحكام في البلاد قائمة على الغايات والأهواء، وهؤلاء الرجال هم القوة المفكرة التي تحترمها كل حكومة فى العالم غاية الاحترام…. ألا فاقرأوا معاشر (الأجانب) التاريخ الإسلامي، وانظروا في أعمال أولئك الخلفاء العظماء الذين كان الواحد منهم ينشد الحقيقة في كل وقت، وفي كل مكان، ويمتثل للحق ولو كان قائله أحقر الناس. فخليق (بالأجانب*) وهم الذين يَدَّعون أن مدنيتهم سادت على كل مدنية أن يذكروا أن رجال المدنية الإسلامية لم يكونوا ليقولوا: “السياسة فوق الحق” بل كانوا يقولون ويؤيدون هذا القول بألف دليل: “الحق فوق كل شيء…”(١٢)
__________________________________________________ (١) الرافعي: مصطفى كامل ص ٢٦٩. (٢) الرافعي: مصطفى كامل ص ١٥٨. (٣) حديث نبوي شريف، أخرجه مسلم برواية أبي هريرة. (٤) الرافعي: مصطفى كامل ص ٣٤١. (٥) سورة الأنفال: آية ٨. (٦) سورة الأنفال: آية ٤٦. (٧) الرافعي: مصطفى كامل ص ٣٤٣. (٨) سورة الصف: آية ٤. (٩) الرافعي: مصطفى كامل ص ٣٤٥. (١٠) الرافعي: مصطفى كامل ص ٣٤٣. (١١) الرافعي: مصطفى كامل ص ٣٢٤. ( *) وُضِعتْ كلمة “الأجانب” بين الأقواس بدلًا من كلمة “الإنجليز” فهي تشمل الإنجليز وغيرهم من الأجانب الذين قاموا بالاعتداء والاحتلال لكثير من الأقطار العربية والإسلامية. (١٢) لمن شاء أن يستزيد يُنظَر بحث بعنوان: النزعة الدينية في الخطابة السياسية عند مصطفى كامل: دراسة تحليلية فنية: د. محمد سلام، مجلة كلية اللغة العربية بالمنوفية، عدد ٣٨، يونيو ٢٠٢٣م