دنيا ودين

قـــراءة تفسيرية لسورة العصر ـخاطرة

قـــراءة تفسيرية لسورة العصر ـخاطرة

قـــراءة تفسيرية لسورة العصر

ـخاطرة

 للاستاذالدكتورعلاءااحمزاوى الاستاذبجامعة المنيا

متابعة ناصف ناصف


ـ هي من قصار السور آياتها ثلاث، سُميت بهذا الاسم لورود الكلمة فيها، هي سورة مكية، ترتيبها في النزول السورة الثالثة عشرة بعد سورة الشرح، مقصدها التحذير من الكفر والحـثّ على الإيمان والعمل الصالح والتحلي بالقيم الإنسانية السامية؛ ما جعل العلماء يقولون: لو لم ينزل من القرآن غيرها لكفت الناس؛ لأنها بيّنت جزاء الكفر والإيمان؛ لذا كان الرجلان من الصحابة إذا التقيا لم يتفرقا حتى يتلو أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر عند المفارقة.
ــ {وَالْعَصْرِ} الواو للقسم، والعصر مقسَم به، والمُقسِم هو الله، وهو يقسم بما شاء، ولا يقسم المؤمن إلا بالله، واختلف العلماء في المراد بـ{العصر}، فقيل: هو الدهر لما فيه من عِبَر وعظات وأحوال مختلفة تدل على طلاقة القدرة الإلهية وتؤكد أن الله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} مع خلقه، فكم من غنى صار فقيرا، وكم من قوي صار ضعيفا، وكم من سعيد أصبح حزينا، وكم من سليم أصبح مريضا، والعكس صحيح، فضلا عن أن الدهر آية من آيات الله تستوجب الإيمان ونعمة من نعم الله تستوجب الشكر؛ وفقا لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً} فمعنى {خلفة} أن يخلف كلاهما الآخر أي يتعاقبان، وهذا التعاقب بين الليل والنهار يؤكد للكافر طلاقة القدرة الإلهية مما يستوجب الإيمان وهو المراد من قوله تعالى: {يذّكّر}، كما يستوجب على المؤمن الشكر لله، وهو المراد من قوله: {شُكُوراً}، وقيل: العصر هو زمن النبوة لأفضليته بالنسبة لما سبقه وما تبعه من عصور وفقا لحديث “خير القرون قرني” من آدم إلى يوم القيامة، وفُسِّر بوقت صلاة العصر لسببين: أحدهما: خصوصية تلك الفريضة؛ حيث قال ربنا: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى}، فالراجح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، لذا قال النبي: “من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتَرَ أهله وماله”، والسبب الآخر: خصوصية الوقت فأقسم الله به كما أقسم بالليل والنهار والفجر والصبح والضحى، لذا قال النبي: “مَنْ حَلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”، وأفضل النعيم في الجنة أن ينال المؤمن نظر الله إليه ورضاه.
ــ {إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} جواب القسَم، فالله أقسم بالعصر أن الإنسان في خسر، وفي تفسير {الإنسان} احتمالان: أحدهما أنه شخص معين هو أبوجهل أو أبولهب أو الوليد بن المغيرة أو العاصِ بن وائل، فكلهم كانوا يقولون: محمد في خُسْر، فأقسم الله أن الأمر عكس ما يقولون، فهم الذين في خسر، والاحتمال الآخر أن المراد مطلق الناس، كقوله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}، وهو الأرجح لورود الاستثناء منه، والخسر بمعنى الخسران والنقصان، وهو ضد الربح والزيادة فى التجارة، والمراد هنا سوء العاقبة، لكنه عبّر عنها بالخسر؛ لأن المخاطبين أهل مكة وهم تجّار يدركون معنى الخسارة والمكسب، وتعبير {لَفِى خُسْرٍ} يفيد أن الخسر محيط بالإِنسان، فهو غارق فيه، ولم يُذكَر هنا سبب الخسر.
ــ {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} استثناء يكشف لنا أن سبب الخسر هو الكفر، وقد جاء لتبشير المؤمنين بأن الإيمان بالله هو المكسب الأكبر للإنسان، وأن البُعد عن الله هو قمة الخسران، كما يكشف لنا أن المؤمنين في البشر قلة، وأن غيرهم هم الكثرة، وإذا استعرضنا القرآن نجد أن تعبيرات الأكثرية وردت في سبعة وستين موضعا كلها تحمل صفات سلبية للناس، وهذا يومئ بغلبة صفات الشر على صفات الخير فيهم، وأن الباطل أكثر انتشارا من الحق، فالمؤمنون دائما أقــل من غيرهم؛ لأن المستثنى أقــل من المستثنى منه، وأبرز الصفات السلبية: صفة الكفر كما في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}، وصفة الشرك كقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}، وصفة الفسق كما في قوله تعالى: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}، وصفة الضلال كقوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، وصفة الجحود وعدم الشكر لله كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}، والجهل بقدْر الله كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وصفة الجمود العقلي كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، وصفة كراهة الحق كقوله تعالى: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}.
ــ وقد تضمن الاستثناء أربع صفات وهي مجتمعة مقوِّمات الربح الحقيقي: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وبدأت بالإيمان؛ لأنه أساس قبول العمل الصالح في الآخرة وإثابة صاحبه، فالعمل الصالح بدون إيمان لا قيمة له في الآخرة، قال تعالى في الكافرين: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}، إنما يثاب الكافر على عمله الصالح في الدنيا حتى لا يكون له على الله حُجّة في الآخرة، وذلك من عدل الله، ثم العمل الصالح فهو متمم للإيمان، فلا يكتمل الإيمان إلا بالعمل الصالح؛ لذلك اقترن به كثيرا في القرآن، كما أن أسباب دخول الناس النار أربعة: منها ثلاثة تتعلق بالعمل الصالح وسبب واحد يتعلق بالإيمان، قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}، ويروي أبوهريرة أن النبي أعطاه نعليه، وقال له: “اذْهَبْ بنَعْلَيَّ هاتَيْنِ، فمَن لَقِيتَ من وراءِ هذا الحائِط يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بها قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ، فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِي عُمَر، فقالَ: ما هاتانِ النَّعْلانِ يا أبا هُرَيْرَة؟ فقال: هاتانِ نَعْلا رَسولِ اللهِ، بَعَثَنِي بهِما مَن لَقِيتُ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بها قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بالجَنَّةِ، فَضَرَبني عُمَرُ بيَدِهِ على صدري، وقالَ: ارْجِعْ يا أبا هُرَيْرَة، فَرَجَعْتُ إلى رَسولِ اللهِ، فأجْهَشْتُ بُكاءً، فقالَ لي رَسولُ اللهِ: ما لكَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فأخْبَرْتُهُ بالَّذِي بَعَثْتَنِي به، فَضَرَبني، فقالَ النبي: يا عُمَرُ، ما حَمَلَكَ علَى ما فَعَلْتَ؟ قالَ: يا رَسولَ اللهِ بأَبِي أنْتَ وأُمِّي، أبَعَثْتَ أبا هُرَيْرَةَ بنَعْلَيْكَ، مَن لَقِيَ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بها قَلْبُهُ بَشَّره بالجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فلا تَفْعَلْ، فإنِّي أخْشَى أنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عليها، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قالَ النبي: فَخَلِّهِمْ يا عمر”، وجاءت كلمة {الصالحات} مطلقة لتشمل جميع أنواع العمل الصالح من عبادات معاملات وأخلاق.
ــ {وَتَوَاصَوْاْ بالْحَقِّ}، التواصي تبادل النصح والوعظ، و{الحق} هو الأمر الصحيح الثابت، والمعنى أن يتبادل الناس فيما بينهم النصح بقول الحق وفعل الخير والنهي عن الشــر، وهذه إحدى صفات الخيرية للأمـة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، وقُــدِّم الأمر بالخير والنهي عن الشر على الإيمان بالله؛ لأن فيهما نفعا للمجتمع ولا يستقيم إلا بهما، أما الإيمان بالله فهو علاقة خاصة بين العبد وربه يثاب بها ويأثم بتركها، وهذا يدل على أن تحقيق مصالح العباد ونشر الخير فيهم أَوْلى من إيمان العبد بربه، واستعمال التواصي مع الحق يشير إلى أن الحق يصعب على الإنسان بمفرده تحقيقه، فلابد من التكاتف والتعاون في ذلك.
ــ ولأن الحق صعب ثقيل احتاج تحقيقه إلى صبر، فهو قوة داخلية تعين الإنسان على احتمال المكاره والمشاق، والصبر نفسه صعب يحتاج إلى التواصي به، فكانت الصفة الرابعة {وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ}، والتواصي بالحق والصبر من الصالحات، فهو عطف خاص على عام، لكنه خُصّ بالذكر لأهميته، وجاء فعل التواصي ماضيا للدلالة على أن المؤمنين قد اتصفوا بهذه الصفات فهي محققة فيهم، وأن الله مدحهم بها، والمعنى الإجمالي أن جميع الناس فى خسران ونقصان إلا الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك من وجوه الخير، وتناصحوا فيما بينهم بالتمسك بالحق ولو على أنفسهم، كما تناصحوا بالصبر على الطاعات والبلاء والمصائب والآلام، فهؤلاء المؤمنون الصادقون نجّاهم الله من الخسران المبين، فكانوا أصحاب تجارة رابحة لن تبور.

زر الذهاب إلى الأعلى